عظة الأب إيلي شمعون – ١٠ آب ٢٠٢٥

إخوتي، الكلمة التي سمعناها اليوم كلمةٌ تُضيء على حقيقة يدعونا الربّ إليها في هذا النهار. ما هي الدعوة التي يريدنا الربّ أن نعيشها في هذا الوقت؟ إنّها دعوة الاستعداد. والجميل في الإنجيل أنّه يعطينا وعدًا: نستعدُّ من أجل ماذا؟ ليس لكي ننعم بالأمور أو لنكون «حاضرين مُحضَّرين» بحسب مقاييسنا البشرية، فهذا ليس الموضوع. إنّما الله يطلب منّا أن نكون مستعدّين لأنّ ابن الإنسان يأتي ليَخدمنا؛ لتَقبلوا حبَّه، ولتَقبلوا أن يعمل في حياتكم ما يشاء أن يعمله.

والجميل، إخوتي، أنّه عندما نقف أمام موضوع الاستعداد تتوارد إلى أذهاننا أفكار كثيرة: كيف أكون مستعدًّا؟ أقول لكم: الإنسان لا يستطيع أن يستعدّ للموت، ولا أن يهيّئ نفسه للمرض، ولا للخيانة. نحن—مهما استعددنا—لا نستعدّ للمصيبة، لأنّ المصيبة حين تأتي تفاجئنا. نحن لا نعرف السارق متى يأتي؟ وماذا يصنع في حياتنا؟ كلُّ واحدٍ منّا اختبر «سارقًا» دخل حياته وغيّرها. نكون قد أعددنا مشروعًا لحياتنا، وفجأة يأتي غير المنتظَر فيقلب الدنيا رأسًا على عقب. إخوتي، لا أحد منّا يكون مستعدًّا لتلك اللحظة.

لكنّ الربّ اليوم يُلقي الضوء على استعدادٍ آخر: نحن مدعوّون أن نعيش الاستعداد بالإيمان. والرسالة إلى العبرانيّين تتكلّم عن حقيقة الإيمان: «الإيمان هو ضمانُ الخيراتِ التي نَرجوها، وبرهانُ الحقائقِ التي لا نراها». وتُخبرنا عن إبراهيم: هذا الإنسان الذي جعل وعدُ الله له يترك كلَّ شيء ويسير. لقد اختبر الإيمان، وقيل إنّه «رآه من بعيد». بل عاش الوعد في موضعٍ لم يَلْمِسْهُ بعد، فعاش في الدنيا كأنّه غريب.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن نعمل بما يقول لنا الإنجيل: أن نعيش في هذه الدنيا فقراء، «بلا كيس»، لا نُكدِّس، لأنّنا أمام خوف المصيبة نجُنّ: خوفي من أن أفقر يدفعني إلى جمع المال؛ خوفي من أن أشيخ في آخر عمري ولا يَلتفت إليّ أولادي الذين ربّيتُهم يدفعني إلى التعلّق بالضمانات؛ خوفي من المرض يجعلني أعيش على «الدايت»، وأُتقِن تنظيم وضعي الصحّي، وآكل «أورجانيك»، وأركض لأُصلِح صحّتي، وأتداوى، وأنتبه ألّا أفعل هذه وتلك… واليوم الله يقول لنا: ما أعدتُكم به ليس في أكياس هذه الدنيا.

تقول الرسالة أمرًا رائعًا: لو أنّ إبراهيم الذي نال الوعد منّي كان يظنّ أنّ الوعد يتحقّق في الأرض التي كان فيها، لكان سهلًا عليه أن يرجع إليها. وهكذا نحن أحيانًا أمام المصيبة نظنّ الحلَّ هو العودة إلى ما كان: إذا مَرِضتُ، فالحلّ أن تعود صحّتي كما كانت؛ إذا تبخّرت أموالي في المصرف، فالوعد أن أعود إلى «أيام الليرة على 1500» وإلى راتبي كما كان! أمّا الكتاب فيقول: لو كان يظنّ تحقيق الوعد رجوعًا إلى الأرض الأولى لرجع. لكنّه اختبر أنّ الوعد سيتحقّق في أرضٍ منتظَرة، في سماءٍ من فوق، في وعدٍ من فوق. وهكذا نحن: إذا لم يكن استعدادُنا في المصيبة موجَّهًا نحو السماء، فنحن على ضلال.

ويُضيف: حتّى إبراهيم الذي كان الوعدُ بالذرّية في ابنه، قدّمه لله. اختبر أنّ الله قادرٌ على الإحياء من الموت: أيُّ موت؟ ليس مجرّد موت الجسد، بل كلُّ موتٍ يهدّد وعدَ الله. إن قدّم ابنه ومات، فالله يُقيمه. وهكذا، عندما أقدّمُ أعزَّ ما لديَّ لله، أختبر أنّ الله في هذه الأرض العتيقة آتٍ ليصنع في حياتي قيامة. حياتي، كحياة إبراهيم، تُصبح موضعًا يُرِيني فيه اللهُ أنّه يريد أن يُقيمني من موتي.

إخوتي، كثيرًا ما نتكمّش بأمورٍ حلوة، ونجمع كنوزًا، ونكبِّر الكيس. ثمّ نكتشف أنّ هذه «الضمانات» تُغرق القلب أكثر، وتدخله في يأسٍ وخوفٍ أكبر. فماذا يعني أن تكون مستعدًّا؟ يعني أن تخرق الكيس وتُلقي ما يُميت قلبك في هذه الدنيا، لتختبر أنّ فرحك في السماء. يعني أن تختبر أنّ هناك مَن يأتي ليُقيمك من موتك؛ أن تكتشف أنّ كنزك في هذه الدنيا موت، وأنّ أموالك موت، وأنّ ما تجمعه هنا موت. وصدّقوني، أمام هذه الحقيقة، يأتي الله ليُرينا أنّ هذه الأشياء «موتٌ في ذاتها» إن صارت هي الكلّ؛ ونحن، وإن لم ندرِ، قد تكون هي التي تُميتُنا وتُغرقنا أكثر في الخوف.

وهذه الكلمة، إخوتي، جيّدة لأنّها تُريني ماذا يعني أن أعيش الرجاء: أن أختبر في هذه الدنيا أنّني ابن؛ أن أختبر أنّ لي سماءً فوق؛ أن أؤمن أنّ الوعد الذي يريد الله أن يحقّقه سيتحقّق حتمًا. سارة تَرجّت وصدّقت أنّها ستنال ابنًا، لم تؤمن بقدرتها هي ولا بفعلها هي، بل آمنت بصِدقِ الذي وعد. فالسماء لا براهين حسّية لنا عليها: إن قال أحدٌ «أكيدٌ هناك سماء»، فنحن لا نستطيع أن نُبرهن ذلك علميًّا. لسنا أكيدين بما سيحدث «هناك». لكنّنا نعرف مَن وعدنا، ونعرف أنّ الذي وعد صادق. نحن نؤمن بيسوع الذي وعدني أنّني «فوق» سأكون معه.

من هنا، رجاؤنا اليوم أن نختبر في هذه الدنيا الاستعداد للحظة الموت، ولحظة المرض، ولحظة الخيانة، ولحظة الفقر، ولحظة الذلّ، ولحظة السرقة، ولحظة الغدر. لأنّ هناك مَن يأتي ليصنع عمل خلاص. كما اختبر شعبُ إسرائيل: كان هناك مَن أخرجه من العبوديّة، ومع أنّه سقط مرارًا، كان الله في كلّ مرّة يُذكِّره: «تذكّر ما صنعتُه في حياتك». ونحن أمام الوعد اليوم مدعوّون أن نتذكّر ما فعل الله في حياتنا: عندما كنّا أمام موتٍ وظلامٍ وعتمة—ماذا صنع؟ ما فعله ليس كذبةً بل حقيقة: أحبّك في تلك اللحظة، وانتشَلك من حُفرتك في تلك اللحظة، وشفاك من خطيئتك في تلك اللحظة. هو غير كاذب؛ صنع أمرًا حقيقيًّا.

واليوم نحن مدعوّون أن نُصدّق أنّ من يَعِدُنا صادق، وأنّه آتٍ ليصنع في حياتنا خبرةً جديدة: أن نختبر أنّنا في هذه الدنيا غرباء لأنّ بيتنا في السماء. ومن يعرف أنّ بيته في السماء يعرف كيف يعيش على الأرض: لا يتعلّق بالأرض تعلُّقًا يُميت، بل يعرف أن يحبّ أخاه ويعطيه، ويعرف حتّى أن يموت لأجل أخيه.

أحيانًا نظنّ أنّنا لكي نعيش في هذه الدنيا يجب أن نُمسِكَ بها ونتشبّث. لكنّ الإنسان إذا كان رأسُه مُسَمَّرًا في الأرض لا يعرف أن يعيش، ولا يُحسِن أن يُحيي مَن حوله، ولا يفرح بما عنده، بل قد يستغلّ أخاه. أمّا متى نقدر أن نعيش إخوةً كما تقول القراءة الأولى؟ النهار الذي نعرف فيه أنّ بيتنا في السماء. يوم نعرف ذلك، نعرف أن نُحبّ ونحيا في الدنيا، وأن نعيش في السرّاء والضرّاء، لأنّنا نعرف أنّ لنا أبًا في السماء.

من أجل ذلك أدعوكم الآن، إخوتي، أن نرفع رؤوسنا: كثيرًا ما تكون رؤوسُنا على الأرض. نحن مدعوّون أن نتطلّع إلى السماء، أن نعرف أنّ لنا أبًا قادرًا أن يعطي طَعْمًا لحياتنا ولدعوتنا ولأرضنا، لكي نختبر في هذه الدنيا جمالَها في لحظة حبّ يحييها بعينها. في لحظة حبٍّ أختبر فيها حبَّه وكرمَه، أختبر فيها خلاصه—ولو كان حولي كثيرٌ من الأصوات التي تقول لي: «أنت غير محبوب، أنت متروك». أمّا حين أكتشف حبّ الآب، أعرف أنّ هذا الحبّ قادرٌ أن يُعطيني فرحًا إلى لحظة اللقاء بهذا الآب، لحظة فرحٍ لا تنتهي. نحن في هذه الدنيا نذوقُ قسم صغير من ذلك الفرح، لكي نكون معه في فرحٍ لا ينقضي.

هذا الفرح، اليوم، يمكن أن يصير وعدًا متحقّقًا في حياتي بالإيمان والانتظار والاستعداد. أدعوكم الآن أن نهيّئ قلوبنا للسماء، وأن نرفع نظرنا إليه، لكي يُحوِّل ما يهدّدنا بالموت إلى لحظة حبّ، ولحظة فرح تُنير بِنوره. أدعوكم في هذا الوقت أن نأخذ لحظة صمت، نضع فيها قلوبنا أمام هذا الآب، لكي يأتي—بمحبّته—ويصنع فينا هذه الخبرة. لنكن مستعدّين لابن الإنسان الذي يأتي ليَخدمني ويصنع فعل حبّ في حياتي. لنأخذ لحظة صمت… ثم نُكمِل قدّاسنا.