إخوتي، هذه الكلمة التي سمعناها اليوم هي كلمة أعمق بكثير ممّا نظنّه عندما تبدأ القراءة. الجميل في هذا النص أنّنا تعوّدنا، منذ كنّا صغارًا، حين نسمعه أن نشعر بأنّه قصة جميلة، قصة نعرفها: قصة ابنٍ ضلّ الطريق ثم عاد. ولكن أين تبقى هذه القصة غالبًا؟ تبقى قصة جميلة، لكن خارج حياتنا. نبقى نحبّها لأن فيها عبرة، لأن فيها شيئًا يعلّمنا، لكن أين تبقى؟ تبقى على مستوى قصة خارج حياتنا.
لكن ما أريد أن أقف عنده اليوم معكم هو أن نعرف أنّ هذه الكلمة جاءت لتتحدث عن خبرة يومية نعيشها أنا وأنتم. هي ليست قصة حدثت مرة في الماضي، بل قصة تحدث كل يوم في حياتي وحياتكم. هي قصتي وقصتكم. هي قصة كل مرة أترك البيت، وكل مرة أعود فأجد أن أبي ما زال أبي.
ولماذا نحن اليوم بحاجة إلى هذه الكلمة؟ انظروا ماذا يقول بولس في الرسالة: يقول وعدًا جميلًا جدًا. يقول إننا اليوم مدعوون أن نكون فرحين، أن نكون في سلام، لأن إله المحبة والسلام يكون معنا. فما الذي يحتاجه الإنسان في هذا العالم؟ ما الشيء الذي نستيقظ كل صباح ونشعر أننا بحاجة إليه؟ نحن بحاجة إلى السلام. أقول: يا رب، أريد أن أكون في سلام.
لكن إن تأملنا في حياتنا نكتشف أننا كثيرًا ما نطلب السلام من الخارج: نطلبه من الظروف، من الأحداث، من الأشياء التي حولنا. نطلبه من أمور خارجنا، لكنها في الحقيقة لا تعطينا السلام. فما هو السلام الذي يريد الله أن يعطينا إيّاه؟ هو أن أختبر أنا اليوم حب الله وسلامه في داخلي.
ولهذا يقول في بداية الرسالة شيئًا مهمًا جدًا: هل نسيت أن يسوع فيك؟
هذه هي مشكلة الابن الصغير، وهي مشكلتي ومشكلتكم. كل مرة أذهب إلى الخطيئة، كل مرة أقرر أن أفعل شرًا، ماذا أفعل أولًا؟ أكسر هويتي. أنسى أن يسوع فيّ. أنسى أنني ابن.
تعرفون ما كانت مشكلة هذا الابن؟ أنه نسي أنه ابن. ليس فقط نسي، بل قرّر بحريته أن يقول: أنا لا أريد أبي، أريد أن أذهب. وهذه هي نهاية الخطيئة. إلى أين تقودنا؟ إلى أن نأكل الخرنوب، إلى أن نصل إلى الحفرة، إلى المكان الذي تأكل فيه الخنازير.
انظروا إلى عالمنا اليوم: ماذا يأكل العالم؟ عندما ننظر حولنا ماذا نرى؟ نرى خرنوبًا وحفرة خنازير. هذه هي النتيجة. يأكل الإنسان الخرنوب، لكن قلبه يبقى فارغًا.
لكن لماذا عاد الابن الصغير؟ هل عاد لأنه تاب حقًا؟ في الحقيقة، في البداية لم يعد لأنه تغيّر. عندما قال: «أرجع وأقول لأبي اجعلني كأحد أجرائك»، كان لا يزال يفكر بعقلية العبد. كان يظن أنه سيقول بضع كلمات جميلة، فيسمح له أبوه أن يأكل ويشرب. كان يريد أن يعود ليأكل ويشرب، لا ليعود ابنًا. قال: عند أبي عبيد يأكلون، وأنا هنا أموت جوعًا. سأعود وأقول له: أخطأت إلى السماء وإليك، فيسمح لي أن آكل وأشرب.
لكن ما الذي غيّر كل شيء؟ أنه اكتشف أن أباه كان ينتظره. حين وصل ليقول كلماته، قال له الأب: أنت في عيني أكبر بكثير من ذلك. أنت لست في هذا البيت لكي تأكل وتشرب فقط. أنت هنا لكي تعيش.
قلب الإنسان اليوم يحتاج إلى أن يختبر الحياة. نحن تعوّدنا أن ننظر إلى الدنيا بمنطق: نأكل ونشرب ونعيش. لكن كل مرة نعيش بهذا المنطق نكتشف أننا أموات من الداخل.
انظروا إلى الطمع في قلوبنا. خصوصًا في زمن الحرب، في زمن الضيق. ما الذي يدخل إلى القلب؟ بأي منطق نعيش؟ منطق: نأكل ونشرب ونعيش. لكن ما الذي يختبئ خلف هذا المنطق؟ موت وعبودية. يصبح الإنسان عبدًا.
ومتى يختبر الإنسان الحياة؟ عندما يكتشف أن أباه حضّر له مشروعًا أكبر بكثير. مشروعًا ليس مجرد أن يعطيه شيئًا صغيرًا. مشروعًا يبقى محفوظًا في قلب الأب حتى عندما يكسّره الابن بالخطيئة. يبقى الأب يقول له: أنا أصلحه، أنا أخيطه، أنا أبنيه معك من جديد. أنت ما زلت ابني. أنا أجعلك ابنًا، لأنني أنا الأب، وأنا لا أتغير.
وانظروا ما أجمل ما سمعناه في القراءة الأولى: يشوع واقف بثيابه الوسخة، بخطيئته، بذلّه. وكان هناك ملاك الرب، وكان الشيطان أيضًا. ماذا كان يفعل الشيطان؟ كان يتهمه. هكذا يفعل الشيطان معنا عندما نكون في الحفرة، عندما نكون نأكل الخرنوب. يتهمنا ويقول: أنت عبد، أنت نجس، أنت خاطئ، أنت كذاب، أنت مجرم. يشير إلينا بإصبع الاتهام.
أما الرب فيفعل العكس. يغسلنا ويقول: أنت ابني، وأنا أحبك.
أما الابن الكبير، فماذا كان ينقصه؟ كان في بيت أبيه، لكنه كان مكبوتًا. كم مرة نفعل نحن الشيء نفسه! نأتي إلى القداس، نصلي، ثم نقول: لماذا يا رب حياتي هكذا؟ أنا أصلي، فلماذا يحدث معي هذا؟ لماذا صحتي هكذا؟ لماذا عائلتي هكذا؟ لماذا أولادي هكذا؟
انظروا إلى قلب الإنسان وهو في بيت أبيه لكنه مكبوت. ماذا كان ينقص الابن الكبير؟ كان ينقصه أن يدخل إلى الحفلة. عندما سمع الموسيقى لم يدخل. سأل الخادم: ماذا يحدث في الداخل؟ فجاء الأب وترجاه أن يدخل.
كان الأب يترجاه أن يتذوق الفرح، أن يتذوق الحياة، أن يتذوق ماذا يعني أن يعيش في بيت أبيه.
تعرفون ماذا يريد الله منا اليوم؟ يريدنا أن نتذوق ماذا يعني أن نعيش معه. لأن الإنسان يتوب فقط عندما يتذوق الحياة في بيت أبيه.
نحن لا نتوب قبل أن نتذوق. لماذا نتوب؟ لأننا تذوقنا الخرنوب، ثم تذوقنا الحياة في بيت الأب، فاكتشفنا الفرق.
لذلك، إخوتي، في حياتنا التي قد تكون في أماكن كثيرة غارقة في الحفرة، في حياتنا التي نعيش فيها بمنطق «آكل وأشرب لأعيش» فنكتشف أننا نأكل خرنوبًا… لنتذكر اليوم: عندما أعود، حتى لو كانت نيّتي غير صافية، حتى لو كنت ضعيفًا، حتى لو كنت أخطو خطوة إلى الأمام وعشر خطوات إلى الوراء، سأكتشف أن هناك من سبقني إلى الطريق.
هناك أب ينتظرني ليحتضنني ويقول لي: أنت ابني. أنا جئت لألبسك ثوب البنوة من جديد. جئت لأعيد لك قوتك. أنت في عيني لم تتغير. ما زلت ابني.
وهنا فقط نختبر ماذا تعني الحفلة، ماذا تعني الحياة.
ومهما اتهمني الشيطان وقال لي إنني عبد، فهناك من يراني ابنًا. ولأنني في عينيه ابن، فهذه الحقيقة لا يستطيع أحد أن يسلبني إياها.
من أجل ذلك أدعوكم أن نأخذ لحظةً صغيرة، نضع فيها أمام قلوبنا، سواد أيّامنا، والحفرة التي نحن فيها، والأسئلة الكثيرة التي في داخلنا، والبعد، والأسى. لكي نعود اليوم فنختبر معه الحفلة، ونختبر معه بيت الآب، البيت الذي يعود فيه قلبي وقلبكم ليعيشا من جديد في الأمان، والحب، والسلام.
