عظة الأب إيلي شمعون – ٨ شباط ٢٠٢٦ 

إخوتي، نلتقي اليوم في هذا القدّاس، وكلّ مرّة نحتفل فيها بقدّاس المرضى، سواء كان فينا مرضٌ جسديّ واضح، أو مرضٌ نفسيّ، أو جراح وقصص مخبّأة في داخلنا، فإنّنا في هذا القدّاس نضعها أمام أبينا، ونضعها أمام يسوع. وقد يكون اليوم، في هذا القدّاس، أناسٌ مرضى، وأناسٌ متألّمون، وأناسٌ يعانون، ويكون يسوع آتيًا ليقول لهم: أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم.

أتدرون ما هو الخطر الكبير، إخوتي؟ حين نشعر أنّنا غير معنيّين بهذه الدعوة، حين نخرج ونقول: بالتأكيد يسوع لا يقصدني، بالتأكيد يقصد شخصًا آخر. واليوم يأتي يسوع ليُظهر لنا أنّه يقصدني، ويقصد كلّ واحدٍ منّا هنا.

أحببت كثيرًا القراءة الأولى التي سمعناها من سفر أشعيا. كان أشعيا يتكلّم مع شعبٍ متعب، مع شعبٍ مسحوق، مع شعبٍ مجروح. وانظروا ماذا قال له: لم يقل له صُم، ولم يقل له افعل أمورًا كثيرة، ولم يقل له حقّق الوصايا. قال له أمرًا واحدًا: دع نورك يشرق. أطعم الجائع، وانظر إلى الفقير.

ومن خبرتنا، إخوتي، مَن الذي ينظر إلى الفقير؟ ليس الغنيّ، وليس القويّ، بل الفقير. مَن الذي يحبّ الفقير؟ الذي يعرف في داخله أنّه فقير. وأمام هذه الدعوة إلى أن نُضيء أمام الله، يقول الله: انظر إلى الفقير. وانظروا، إخوتي، هذا الشعب الذي يظنّ نفسه منسيًّا، لا يأتي الله ليَعِده بالفرج السريع، ولا ليَعِده بالحلّ المباشر. فبماذا يَعِده؟ يقول له: إذا صرختَ، فهناك مَن يسمعك! لك أب، لك إله.

ثمّ يأتي بولس، في الرسالة التي سمعناها، ليُظهر لنا كيف أنّ المسيحي يشع. يقول لهم: لم آتِكم بالحكمة، ولا بالكلام المزيَّن، بل أتيتكم أُريكم يسوع المصلوب، ومن خلال ضعفي.

أتدرون من هو المسيح؟ هو الذي، في مرضه، وفي ضعفه، وفي ألمه، يُظهر الله. وهنا مشكلتنا أمام الوجع. أحيانًا كثيرة يحقّ لنا أن نتألّم، وأحيانًا يكون الوجع ثقيلًا. لكن دعوتي اليوم، لي ولكم، أمام الوجع، أن نُظهر الله.

يا لها من دعوة كبيرة! تخيّلوا أنّ يسوع ينتظر منّي، اليوم، في هذا الوجع، أن أدعَه هو يَظهر. ويقول لنا في الإنجيل كلمة نحن مدعوّون للتوقّف عندها: أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم.

فليُملَّح طعامٌ، لا يحتاج إلى كيلوغرام من الملح. بل بالعكس، إن زاد الملح فسد الطعام. فماذا يعني اليوم أن نكون ملح الأرض ونور العالم؟ يعني أنّ القليل منّي، مهما كنت صغيرًا، قادر على إحداث مفعولٍ كبير.

المسيحيّ، إخوتي، هو الذي يعرف أنّه في هذه الدنيا قد لا يكون قويًّا بما يكفي، وقد لا تكون يده طائلة، وقد لا يكون واصلًا. لكن يسوع وعده أنّه في المكان الذي هو فيه، يستطيع أن يعطي طعمًا، وأن يكون له دور، وأن تكون له دعوة.

وهل تعرفون ما هو السرّ الكبير؟ عندما يُضيء الإنسان، مَن يتمجّد؟ يقول الإنجيل: «ليروا أعمالكم الصالحة». لكن مَن يُمجَّد؟ أبوكم الذي في السماوات. هذه الكلمة تُريحنا من خيبات كثيرة، من كلّ مرّة نفعل الخير ولا يُصفّق لنا أحد، أو لا يقدّرنا العالم. لماذا يفعل المسيحيّ الخير؟ لكي يُضيء نوره، فيتمجّد أباه الذي في السماء.

لذلك، إخوتي، أدعوكم اليوم، في هذا القدّاس، حيث نضع أوجاعنا، وثِقَل حياتنا، ومرضنا، وكلّ زاوية مظلمة فينا، أن نقف أمام الوجع ونسأل: ماذا أستطيع بعد، يا يسوع، أن أُضيء؟ قد تعبت، وقد ثقلت الأمور على ظهري. لكن يسوع يأتي ليقول لي: في مرضك، في وجعك، في المكان الذي تخاف منه، في ظلمة حياتك، أنا أشع فيك.

من هو المسيحيّ؟ هو الذي يترك نور الله يظهر من خلاله. لسنا نحن من يُضيء في النهاية، ولسنا نحن الملح. هو الذي يعطينا الطعم، وهو الذي يعطينا النور.

من هنا، إخوتي، أدعوكم في هذا الوقت أن يضع كلّ واحدٍ منّا ثِقَله، ووجع قلبه، ومرضه، والمكان الذي صار معتمًا، والمكان الذي أُغلق، والمكان الذي ابتعد كثيرًا عن المشروع، لكي نكتشف، أنا وأنتم، في هذا المكان، خبرة نور، خبرة تعطي معنى لحياتنا.

أدعوكم أن نأخذ دقيقة، نضع فيها قلوبنا أمام يسوع. وبعدها نأتي فنغتسل بماء لورد، هذا الماء الذي يأتي ليُجدّد ويوقظ مواعيد المعمودية. لنتذكّر، يا رب، أنّك عندما قلتَ لي «أنت نور»، كنتَ تقول لي هذه هي حقيقتك، وعندما قلتَ لي «أنت ملح»، كنتَ تدعوني لأن أكون هكذا.

بعد هذه الدقيقة من التأمّل، نأتي فنغتسل بماء لورد، ونُجدّد مواعيد حبّ الله في حياتنا.