عظة الأب إيلي شمعون –  ٦ تموز ٢٠٢٥

إخوتي، كما سمعنا اليوم في القراءة الأولى، كان وعد الله في العهد القديم، في سفر أشعيا، وعدًا بالفرح والغنى. ماذا كان يعد أورشليم؟ ماذا كان يقول لها؟ سيجعلك غنيّة من غناك، وستفرحين الشعوب، وستفيضين غنى، وستتنعمين بالدّرر والمجد، وسيكون فيك سلام، وسيكون فيك ازدهار، وستكون فيك أنهار، ووديان، وعزٌّ، ومجد، وراحة.

والأمر الجميل أنه، عندما سمعنا الإنجيل، وجدنا أنّ يسوع جاء ليُحقّق وعد الله، ذلك الوعد بالازدهار، والفرح بالغنى، والفرح بأن تكون الأحوال حسنة. وعندما جاء ليبدأ رسالته ويعيشها، ليحقق ملكوت الله على الأرض، أرسل معه اثنين وسبعين تلميذًا. ومع ذلك، لم نرَ شيئًا من الغنى المادي. أرسلهم بلا كيس نقود، ومعهم ثوب واحد، ولا يحملون زادًا، وقال لهم: هناك، كُلوا ممّا تجدونه. كانت حياتهم حياة فقر.

والإنسان في داخله يتساءل: بين وعد الله بالغنى، وبين المشروع الذي حقّقه يسوع، هناك شيء لا يبدو متطابقًا. بين الوعد بأن تكون الأحوال حسنة، وبين الواقع الذي نراه، إذ ليس دائمًا حال المسيحي حسناً، هناك شيء لا يبدو صحيحًا.

إخوتي، الإنسان، في كل الأديان، يستشهد بكلمة الله ليُبرّر بها كلّ عمل يقوم به. اليهود على ماذا يعتمدون؟ يستشهدون بالعهد القديم، بالتوراة، ليبرّروا أفعالهم. وكذلك الأمر في الإسلام، يستشهدون بالقرآن ليبرّروا أفعالهم. وحتى نحن في المسيحية، في مواضع كثيرة نبرّر أفعالنا ونحن نفهم كلمة الله على هوانا.

وأنا وأنتم اليوم مدعوّون لأن نفهم هذه الكلمة على ضوء إرادة الله، وماذا يريد أن يقول لنا. فالإنسان، حين يُخطئ، لا يكون في ذهنه أنّه يفعل الشرّ، بل يكون في ذهنه أنّه محروم، ولأنّ الله يريد لنا الفرح، يظنّ أنّه يُفرح نفسه بيديه. الإنسان الذي يقتل أخاه اليوم لأنّ أخاه يؤذيه، قد يرى أنّ هذا شرّ، ولكن، إذا اعتبر أنّ مشروع الله هو إيقاف الشرّ، قد يرى أنّه بقتل أخيه يحقق مشروع الله.

تأمّلوا كيف أنّ كل أفعالنا يمكن أن نبرّرها بالمنطق الذي نفهم به الله. أمّا الله اليوم، فما الذي جاء ليقوله لي؟ جاء ليقول لي حقيقة، وحقيقة لي ولكم اليوم. ففي نهاية الإنجيل، يقول لهم: لا تفرحوا بالمجد، ولا تفرحوا بالأمور العظيمة. اليوم، صحيح أنكم تُخضعون الشياطين، وهذا أمر عظيم ومهمّ، لكن هل تعرفون قيمته الحقيقية؟ حين يدخل الإنسان في التوبة، ويصير عمله عملاً من أعمال المحبّة.

اليوم كل رسالة تبدأ بسؤال: أنا لمن؟ أنا مع من؟ إخوتي، الخير الذي نقوم به في حياتنا، كثيرًا ما لا ينطلق من محبّة الله لنا. كثيرًا ما، في تربيتنا في بيوتنا، وفي الخير الذي نفعله في أعمالنا، ننتهي إلى خيبة أمل، لأنّنا نكتشف أنّ هذا الخير هو بحسب معاييرنا، وحسب كيف أرى أنا الخير.

ما الذي يجعلني اليوم أفرح برسالتي وبدعوتي؟ إنّه اليوم الذي أعرف فيه أين اسمي مكتوب، ولمن أنا أنتمي. إخوتي، بولس كان واضحًا. قال لهم: إذا أردتُ اليوم أن أفتخر، وإذا أردتُ أن أفرح بشيء، فلست أفرح بالشريعة. فما كانت الشريعة في نظرهم؟ كان أعظم ما فيها الختان. قال لهم: اليوم ليست الشريعة ما يفرح قلب الإنسان، ولا تفرح فقط بأعمال الخير. ما الذي يُفرحك اليوم؟ ما معنى ذلك اليوم؟ إنّ صليب يسوع هو ما يُفرحني اليوم. إنّه فعلٌ عظيم من الحبّ غيّر حياتي. فعل حبّ جاء يُظهر لي أنّه مهما كانت رسالتي، وحيثما كنتُ أنتمي، فأنا محبوب لديه.

إخوتي، خصوصًا في هذا الظرف الذي نعيشه، في أوضاع عائلاتنا التي كثيرًا ما تجد في ظروفها أنّها لا تستطيع دائمًا أن تعيش المحبّة. اليوم، إذا نظرتم إلى المجتمع الذي نعيش فيه، ترون أنّ الإنسان ليس دائمًا قادرًا على الشهادة ليسوع، وليس دائمًا قادرًا على أن يكون صورة حبّ في هذا العالم. ليس دائمًا قادرًا على أن يقول «لا» للشرّ، لأنّ في اليوم الذي يسير فيه الجميع نحو الشرّ، يجد نفسه سائرًا معهم، لأنّه إن سار عكسهم يرى نفسه مخطئًا.

في اليوم الذي أجد فيه ثلاثة وعشرين شخصًا يلتفّون حول أحدهم، يتكلمون عليه، ويدمّرون صورته، ويقتلونه معنويًّا، لأجل أن أكون مقبولاً، أسير معهم. في اليوم الذي أرى فيه أنّني لم أعد أستطيع العيش مع زوجتي، ونظلّ نعيش في عبوديّة، ونظل نتشاجر، أو أنّ هذا الأمر سيؤذي نفسيّة الأولاد، فأُفضّل اليوم الانفصال. بهذا المنطق الذي يُزرَع اليوم في حياتنا، ما الذي سيأتي اليوم ليصنع أمرًا جديدًا؟ من يحبّك؟ الله؟ ماذا يريد منك؟ ماذا يريد من دعوتك؟ ماذا أعطاك الله؟ ما هو الفرح الذي يحمله لك؟

واليوم، إخوتي، هذا الفرح قادر أن يُغيّر حياتي. أنا وأنتم اليوم، هذا الحبّ قادر أن يضيء فرصة حبّ في مكان كلّه ظلمة. لذلك أدعوكم في هذا الوقت، أن نضع قلوبنا أمام يسوع، لكي نقول له: يا ربّ، دعني أعرف في هذه الدنيا، لمن أنا؟ أين اسمي مكتوب؟ دعني أعرف أنّه في هذه الدنيا، فرحي هو أن أعلم كم أنا محبوب منك. أن أعلم أنّ في دعوتي، حتى لو أعيش الفقر، فإنّ فرحي أنّي معك.

أدعوكم في هذا الوقت، أن نأخذ دقيقة نضع فيها قلوبنا أمام يسوع الذي بصليبه جاء ليعطينا سبب فرحنا، لكي نفتخر في هذه الدنيا، فإذا كنت مسيحيًّا، وإذا كان اسمي مكتوبًا في قلب يسوع، فهذا يعني أنّ عليّ اليوم أن أشبهه، وأن أكون مثله، وأن أحبّ كما أحبّ هو.