عظة الأب إيلي شمعون – ٢ آب ٢٠٢٥

إخوتي،

كلمة الرب اليوم تلامس وجعًا عميقًا في قلوبنا. مرضٌ مستتر، يُفرَض علينا، يتحكّم بواقعنا، يسيّر حياتنا، ويشكّل جزءًا منها، حتى إنه يصير لنا جهنّمًا، موتًا.

أحببت كثيرًا القراءة الأولى، من سفر الجامعة، الذي نعرفه جيدًا، والذي نشعر به كثيرًا في أيامنا. نسأل أنفسنا: لِمَ التعب؟ لِمَ أُتعب نفسي؟ لِمَ أُضيّع وقتي؟ لِمَ أُنجز هذا العمل؟ لِمَ أستثمر في هذا المكان؟ لِمَ أُرهق صحتي؟ لِمَ أُنهك ذهني؟ لِمَ أُكرّس كلّ قوتي؟ لِمَ أبذل طاقتي؟ لِمَ أُسكن قلبي في هذا الموضع؟ لِمَ أُضيّع وقتي؟ أليس كلّ شيء باطلًا؟

أتعب، أتعب، وأجمع، أجمع، ثم في النهاية أكتشف أن كل شيء يذهب سدى. أمرٌ صغير يأتي ويمحو كل شيء.

والغريب، إخوتي، أن هذه الحقيقة التي يعرفها قلبي وقلبكم جيدًا، لا تشفينا.

نتأمل واقع حياتنا، ونجد في داخلنا مرضًا لا نُشفى منه، رغم معرفتنا الأكيدة أن كلّ شيء في الدنيا إلى زوال.

ومع هذا، يزداد الطمع في قلوبنا.

أعرف أن كلّ شيء فانٍ، لكن شيئًا ما في داخلي مريض، مكسور، يُغرقني في الطمع ولا أقدر أن أتحرر منه.

أعرف أن كلّ شيء زائل، ومع ذلك أظلّ أجمع.

والإنجيل اليوم يعرض لنا صورة الرجل الغني.

هذا الغني يُشبه كلّ واحدٍ منّا، بحسب ما يمتلك.

مشاريعه كانت ثلاثية الأبعاد، ترتبط بثروة عظيمة.

كلّ واحدٍ منّا يمتلك ثروة على “قياسه”.

وهذا الرجل، كان يظنّ أن لديه سنوات كثيرة يعيشها، وقتًا وفيرًا ليستمتع ويرتاح، فراح يخطّط لمستقبل طويل.

كم من مرّة، إخوتي، نتصرف أمام مشاريعنا وطمعنا كأننا سنعيش أربعمئة سنة؟

كأن لدينا مليون سنة نعيشها على هذه الأرض؟

نعد أنفسنا بالراحة والاستمتاع والطمأنينة، لكننا كلّما جمعنا، ازداد الطمع، ومع الطمع، يزداد القلق من خسارة ما جمعناه، فنزداد سعيًا للتكديس.

وإذا جمعنا، نخاف أن يُؤخذ منّا ما جمعنا.

لكن ما الذي يحصل؟

يأتي الله، ويوقظه، يقول له: “قف عندك، ماذا تفعل؟ هناك ليلة واحدة ستأتي! أمام السنوات الكثيرة التي وعدت بها نفسك، هناك لحظة واحدة ستُسحب فيها حياتك منك”.

في تلك اللحظة، لن يبقى من كلّ ما راكمته شيء.

“ما جمعته، لمن سيكون؟” يسأله الرب.

إخوتي، أُشارككم سرًّا.

ربّما تقولون إننا نعرف هذا الكلام، وإنه واقعيّ.

لكن ما الذي يداوي قلبي؟

ما الذي يحررني من الطمع؟

لاحظوا: الخطايا التي عدّدها بولس في الرسالة — من زنى، ودعارة، وهوى، وشهوة — كلّها تنبع من طمعٍ يسكن في القلب.

ثم يقول بولس: “الطمع، الذي هو عبادة أوثان”.

نعم، من يزني، إنّما يجمع بطريقة مزيّفة أمام فقره العاطفي.

من يدخل في الدعارة، يجمع بطريقة مشوّهة أمام فقر في الحبّ أو في المال أو في القيمة الذاتية.

الدعارة ليست فقط على قارعة الطريق.

كم مرّة، إخوتي، نقوم نحن بتنازلات في مبادئنا، في عملنا، في دعوتنا؟

كم مرّة نبيع أنفسنا من أجل كنوز هذا العالم؟

كم من مرّة نستسلم للشهوة، فنفتّش عنها في الدنيا، لا في العُلى؟

أحببت كثيرًا ردّة المزمور.

وبولس يقول في أول الرسالة: “إرفعوا قلوبكم إلى فوق”.

نحن، إخوتي، في وقت الفقر، إلى أين نتطلّع؟

إلى الأرض! إلى النزول!

لكن اليوم، الرب يدعونا: حين تشعر بالفقر، حين تشعر بالخيانة من شريك حياتك، حين تحسّ بالخذلان، حين تخاف من السلطة، حين تبيع كرامتك في السوق…

في تلك اللحظة، ارفع نظرك، تطلّع إلى السماء.

المزمور يُرشدنا إلى صلاة يجب أن نصلّيها في كلّ لحظة ضعف:

“أشبعنا يا رب من حبّك.”

لأن أمام جوع القلب، لا يحتقرنا الله، بل يعرف جوعنا، ويأتي ليشبعنا، لا ليقصّنا أو يُعاقبنا.

أمام خطايانا، الله لا يوجّه إلينا الضربات، بل يتطلّع إلينا ويقول: “أعرفك فارغًا، فدعني أملأك.”

فبدل أن يتحوّل فراغنا إلى جبل من الكبرياء، بدل أن نصعد به نزولًا، دعونا نقرّ بضعفنا، ونتّجه نحوه.

هو وحده القادر أن يملأنا، هو وحده القادر أن يشبع جوعنا.

اليوم، إخوتي، هذه دعوة لي ولكم: أن ندير وجوهنا إليه، أن نرفَع قلوبنا نحو السماء.

لأنه وعد أن يُشبعنا، وعد أن يملأ قلوبنا، حيثما كنّا، كيفما كنّا.

فلهذا، أدعوكم أن نتّخذ هذا القرار:

بدافع حريتنا، نوجّه قلوبنا نحوه، لأنه يحبّنا، ويقدر أن يشبعنا حقًا.

فلنأخذ دقيقة تأمل، ننظر إلى قلوبنا، نراجع مسيرتنا، ونتشجّع أن نتّخذ القرار:

اليوم، مع الرب، نبدأ من جديد.