الله معكم، إخوتي. كلمة صغيرة أتأمّل فيها معكم في قراءات هذا الأحد، حيث نرى التلاميذ يطلبون من يسوع أن يعلّمهم كيف يُصلّون.
قالوا له: “علّمنا أن نصلّي لله، كيف نصلّي للذي خلقنا وخلق هذا الكون، للذي مصيرنا بين يديه؟”
الصلاة، إخوتي، نعلم جميعًا أنها ليست مجرد ترداد كلمات، بل هي حوار. وحين نقول “حوار”، فهذا يعني أنه لا يكون إلا بين شخصين أو أكثر. وإلهنا حيّ، يسمع ويتكلّم. فالصلاة، إذًا، هي حوار مع إله حيّ.
وهذا الحوار يتطلّب لغة مشتركة. كما أننا لا نستطيع أن نتحاور مع شخص صيني بلغتنا اللبنانية، بل يجب أن نتكلّم بلغته، كذلك الأمر مع الله، لا بدّ أن نتكلّم بلغته.
وما هي لغة الله؟
قالها لنا يسوع المسيح بوضوح. الكلمة الأولى التي نبدأ بها الصلاة: “أيها الآب” — بابا. “ليتقدّس اسمك”. إخوتي، نحن لم نكن نتجرّأ، ولا يجوز أن نتجرّأ، أن نقول لله: “أبانا” — لخالقنا، لخالق البشر والكون.
إذا لاحظتم في القداس، قبل أن نصلّي “الأبانا”، نقول: “فنتوجّه إليك كما علّمنا الرب يسوع، ونتجرّأ أن نقول: أبانا الذي في السماوات.” لماذا “نتجرّأ”؟
من كان يجرؤ أن يدعو الله: “بابا”؟
الله كان يُعتبر بعيدًا، مهيبًا، جبارًا، الخالق العظيم، يُخشى منه، ولا يُتجرّأ النظر في وجهه، لئلا يموت الإنسان من عظمة حضوره.
لكن مع يسوع المسيح، الذي هو ابن الله، وبما أنه تجسّد وأخذ إنسانيتنا، صار أخانا. ومن خلاله صار لنا أب واحد. ولهذا السبب، نحن ويسوع نصلّي الصلاة ذاتها: “أبانا الذي في السماوات”.
ومتى أصبحنا نملك هذه الجرأة والحق أن نقول لله “أبانا”؟
في سرّ المعمودية. لأننا بالمعمودية صرنا أبناء لله، وصار يحقّ لنا أن نكلّمه كأب. ولهذا السبب، فإنّ من لم ينل المعمودية بعد، لا يحقّ له أن يقول لله “أبانا”، لأنّه لم يصبح بعد ابنًا لله.
لكن بالمعمودية، حين يحلّ روح الله على المعمّد، يصبح ابنًا، ويصبح له أن ينادي الله بـ”أبانا”.
إذًا، ما هي هذه اللغة؟ إنها لغة الأبناء.
حين أريد أن أتكلّم مع الله، أحتاج إلى أن أتكلّم معه بلغة الابن أو الابنة تجاه الأب. هذه هي اللغة التي علّمنا إيّاها يسوع.
وفي “الأبانا” الموجزة التي يوردها إنجيل لوقا اليوم، ماذا نقول؟
“ليتقدّس اسمك، ليأتِ ملكوتك.”
نحن لا نأمر الله، بل نعبّر له عن رجائنا وشوقنا.
“ليأتِ ملكوتك” — أي فليكن حاضراً فينا، لأن ملكوته حاضر.
“ليتقدّس اسمك” — لأنك، يا رب، خالق الكون والإنسان وتحبّه. فليتقدّس اسمك من خلال حياتنا، من خلال تصرّفاتنا التي تعكس بنوّتنا لك.
هكذا يتقدّس اسم الله.
اسم الله يتقدّس بمحبّته غير المشروطة لنا.
“أعطنا خبزنا كفاف يومنا” —
أعطنا، يا رب، ما نحتاج إليه.
أطعمنا الطعام الذي نحتاجه، ولكن ليس فقط الطعام المادي، بل أيضًا القوت الذي تحتاجه أرواحنا وقلوبنا.
حتى الفقير، حتى الجائع في بلدان المجاعة، يمكنه أن يصلّي هذه الصلاة، أن يقول: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”، حتى ولو لم يكن هناك خبز. لأنّ الخبز الذي نقصده هو السلام الداخلي.
الإنسان، إخوتي، حين يكون في وادي ظلّ الموت، لا يخاف سوءًا، لأنّ الله معه.
الله قادر أن يزرع سلامه وفرحه في قلب الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، حتى على فراش الموت.
والقديسون والذين عاشوا علاقة عميقة مع الله، تشهد حياتهم وموتهم على هذه الحقيقة:
أنهم، في لحظة الموت، كانوا فقراء، يتامى، عُزّل من كل شيء، لكنهم لم يكونوا وحدهم.
في تلك اللحظة، لا أحد يرافق الإنسان سوى الله.
الله وحده هو الحاضر في تلك اللحظة الرهيبة، حين يُنزع من الإنسان كل شيء، حين يصير ضعيفًا لا يملك إرادة، ولا قدرة، ولا أحد حوله، سوى أن يسلّم ذاته بين يدي الله.
في هذه اللحظات، الله حاضر، قادر أن يمنح السلام الداخلي العميق، حتى وسط الألم.
ولهذا، نجد من كانت لهم علاقة مع الله، قادرين في لحظة الموت أن يكونوا في سلام وفرح.
هذا هو القوت الحقيقي الذي يعطيه الله — الطعام الروحي الذي لا يستطيع أحد أن يسلبنا إيّاه، لا الجشع، ولا الطمع، ولا أنانية العالم.
في هذه اللحظة، لا أحد يستطيع أن يعطينا شيئًا سوى الله، ولا أحد يستطيع أن يكون معنا سوى الله.
لهذا، إخوتي، فلنتأمّل في هذا الأحد ونطلب من الرب أوّلاً:
الثقة.
ونتذكّر أن نقول له دائمًا: “يا رب، ذكّرنا أنّنا أبناؤك بالمعمودية. نحن أولادك.”
وأعطِنا، يا رب، النعمة ألا ننسى أنّك أبٌ حاضرٌ معنا دائمًا، حتى في اللحظات التي لا نشعر بها بوجودك، كاللحظات التي تشبه صليب يسوع.
حين كان يسوع على الصليب، ظهر وحيدًا، لكنه لم يكن وحيدًا، لأنّ الآب كان معه.
ولهذا، كان يسوع، حتى على الصليب، لا يزال في سلام، لا يزال يُحبّ، يُسامح، ويُبشّر.
لأنه كان واثقًا أن أباه حاضر معه، حتى في لحظة الصمت المؤلم.
والبرهان الأقوى على ذلك كان في قيامته، بعد ثلاثة أيام من الصمت، التي فيها أعطاه الآب الانتصار على الموت، وعلى الخيانة، وعلى الأنانية، وعلى الوحدة.
لهذا، إخوتي، فلنطلب في هذه الضيقة جميعًا الثقة بالرب.
ولنقل له:
يا رب، أعطِنا أن نعيش هويّتنا.
أن نعيش معموديّتنا، ونعي أننا أولادك، وأنت الأب الحاضر دائمًا، حتى في لحظات الصمت الموجعة.
