الله معكم، إخوتي. أتأمل معكم اليوم في قراءات هذا الأحد. كما سمعنا في الإنجيل، يتحدث النص عن يسوع الذي كان يبشّر في القرى والمدن، فوصل إلى منطقة حيث التقى بعشرة برص. يقول لنا الإنجيل إنهم وقفوا عن بُعد منه، لأن البرص كما تعرفون مرض معدٍ جداً، ولم يكن له دواء. لذلك كان ممنوعاً على الأبرص أن يقترب من أحد.
كان البرص يعيشون معاً لأنهم جميعاً مرضى، لكن لم يكن مسموحاً لهم أن يختلطوا بالناس الأصحاء. وكان عليهم أن يحافظوا دائماً على مسافة بينهم وبين الآخرين، حتى إنهم كانوا في بعض الأحيان يعلّقون جرساً في رقبتهم، ليُسمع صوته أينما تحرّكوا، فينتبه الناس إليهم ويبتعدوا عنهم.
وهكذا كان الأبرص منبوذاً من المجتمع، يعيش في ظلمة ووحدة، كالميّت وهو حيّ. هؤلاء البرص العشرة، عندما رأوا يسوع عن بُعد، صرخوا إليه قائلين: “رحماك يا يسوع، أيها معلّم!”
انظروا إلى هذا النداء، هذه الصرخة التي تلخّص طلبهم بكلمة واحدة: “يا رب، ارحمنا!” لم يطلبوا شيئاً آخر، لم يطلبوا شفاءً ولا عطايا، بل فقط الرحمة. هذه الصرخة خرجت من قلوب مكسورة مسحوقة، من بشرٍ لم يعد لهم أمل بالحياة ولا أفق، منبوذين يموتون ببطء، يطلبون فقط رحمة الله.
فقال لهم يسوع: “اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة.” والعادة كانت أن الأبرص لا يذهب إلى الكاهن إلا بعد أن يُشفى، ليُظهر له أنه نال الشفاء، فيعيده الكاهن إلى الجماعة. هؤلاء العشرة صدّقوا كلمة يسوع وآمنوا بها، وانطلقوا نحو الكهنة وهم ما زالوا مرضى، يحملون آثار البرص في أجسادهم. ومع ذلك مشوا بإيمانهم.
وعلى الطريق، يقول لنا الإنجيل، تطهّروا، شُفوا من مرضهم. ما أجمل هذا المشهد! فهو يعلّمنا أن مسيرة المسيحي هي مسيرة شفاء مستمر. شفاء قلوبنا من الأنانية والخطيئة لا يتمّ في لحظة واحدة، بل هو مسيرة حياة، تمتدّ طوال حياتنا، حتى نبلغ القداسة شيئاً فشيئاً. الخلاص لا يتمّ بين ليلة وضحاها، بل عبر مسار من الإيمان والثقة والطاعة لكلمة المسيح.
لكن من بين العشرة، واحد فقط رجع إلى يسوع بعد أن شُفي. واحد فقط شعر بالامتنان، ولم يقل في نفسه: “لقد شُفيت، سأكمل حياتي.” بل قال: “يجب أن أرجع وأشكر من شفاني.”
يقول الإنجيل إنه رجع وهو يمجّد الله بصوت عالٍ، وسقط على وجهه عند قدمي يسوع يشكره. ويضيف النص عبارة مهمّة: “وكان سامرياً.” لماذا يشير الإنجيل إلى هذه التفاصيل؟ لأن السامريين لم يكونوا من اليهود، بل كان اليهود يعتبرونهم كفّاراً ونجسين، لا يعرفون الله الحقّ ولا يؤمنون بالمخلّص المنتظر. ومع ذلك، كان هذا الغريب الوحيد الذي رجع ليشكر الرب.
وهنا رسالة عميقة لنا، إخوتي: الخلاص لا يرتبط فقط بالانتماء أو بالاسم أو بالهوية الدينية. ليس كافياً أن أكون مسيحياً بالاسم أو لأنني نلت المعمودية. الخلاص مرتبط بعلاقة حقيقية مع الله، علاقة حيّة تنعكس في أفعالي وأقوالي ومحبّتي للآخرين.
كثيرون يظنون أن غير المسيحيين لا يمكن أن يخلصوا، ولكن الإنجيل يعلّمنا أن الله ينظر إلى القلب والضمير. من يعيش بحسب ضميره وبحسب النور الذي عنده، يعيش في رحمة الله. الخلاص ليس امتيازاً، بل هو نعمة تُمنح لمن يؤمن ويعيش المحبة.
العلاقة الحقيقية مع الله تظهر في فعل الشكر، مثل هذا السامري الذي رجع ليشكر. كم من المرات تكون صلاتنا طلبات فقط: “يا رب، أعطني، يا رب، اشفني، يا رب، حقق لي…”، ولكن أين صلاة الشكر؟ متى كانت آخر مرة وقفنا أمام الله وقلنا: “يا رب، أشكرك على حياتي، على حضورك معي، على النعم التي أعطيتني إياها؟”
إذا تأملنا في حياتنا، سنرى بوضوح أن الله كان معنا في الكثير من المواقف، في الأوقات الصعبة، في لحظات الحزن والضياع. لكن هل نحن نشكره على ذلك؟ أم ننسى؟
الشفاء الجسدي ليس هو الخلاص. لذلك لم يشْفِ يسوع كل الناس من أمراضهم الجسدية، لأن الهدف لم يكن الجسد بل القلب. الشفاء الحقيقي هو شفاء القلب من الخطيئة، من الأنانية، من الجرح الداخلي الذي يسبّبه نقص الحب.
يسوع لم يأتِ فقط ليزيل المرض، بل ليعطي معنى للألم، وليفتح أمامنا طريق الحياة الأبدية. عندما تسقط علينا أثقال الحياة، علينا أن نعرف إلى من نلتفت، من هو القادر أن يعزّينا ويقوّينا ويقيمنا من ضعفنا: إنه وحده الرب يسوع.
لهذا، إخوتي، هذا الإنجيل اليوم يذكّرنا بأمرين أساسيين: أولاً، أن نشكر الله دائماً على عطاياه، وثانياً، أن نعيش علاقتنا به كعلاقة حبّ وشكر، لا كقائمة طلبات. فالمسيح يشفينا ليخلق فينا قلوباً جديدة، قادرة على الفرح والسلام، لأننا نعلم أننا محبوبون ومغفور لنا، مهما كانت خطايانا كبيرة.
فلنأخذ دقيقة صمت نتأمل فيها بهذه الكلمة، ولنطلب من الرب هذه نعمة.
