عظة الأب شربل نادر –  ١٢ تموز ٢٠٢٥

مثلما رأينا في قراءات يوم الأحد، إخوتي، قام أحد علماء الشريعة ليسأل يسوع، لا بدافع المعرفة الصادقة، بل ليحرجه قائلاً: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟» وهو، معلّم الشريعة، من المفترض أن يعرف الجواب. ولكنه سأله ليسوع كي يمسك عليه زلّة، إذ كانوا يريدون أن يوقعوا يسوع في تهمة الهرطقة ويتخلّصوا منه.

فقال له يسوع: «ما هو مكتوب في الشريعة؟ كيف تقرأ؟»

لاحظوا هنا دقّة السؤال: ليس فقط «ماذا تقرأ؟» بل «كيف تقرأ؟» لأنّ كلمة الله كلّنا نعرف كيف نقرأها، لكن السؤال الأهم: كيف نعيشها؟ كيف نفهمها؟ فكثيرًا ما يفهم كلّ واحدٍ منّا الكلمة على طريقته، ويسقط مفاهيمه الخاصّة ومشاريعه الشخصية على كلمة الله. فسأله يسوع: «كيف تقرأ؟» فقال العالِم: «أحبب الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، ومن كلّ ذهنك، وأحبب قريبك كنفسك». فقال له يسوع: «بالصواب أجبت. إعمل هذا فتحيا.» أي إنك تعرف وصية الله، وتعرف أن محبة الله بكلّ القلب والروح هي التي تولّد فينا نعمة محبّة الآخر كما نحبّ أنفسنا. لكن معلّم الشريعة أراد أن يتحاذق عليه أكثر، فسأله: «ومن هو قريبي؟» وهنا تكمن فخاخ في هذا السؤال، لأنكم تعلمون أنّ اليهود يعتبرون «القريب» فقط اليهوديّ، وأيّ علاقة مع غير اليهوديّ كانت تُعتبر دنسًا. فقد كان اليهوديّ ممنوعًا من الاقتراب من شخص لا يشاركهم الإيمان بيهوه، إله إسرائيل، وفق شريعتهم.

وهنا يجيب الربّ يسوع بمَثل السامري الصالح، الذي نعرفه جميعنا. وحده هذا السامري اقترب من الرجل الجريح، وضمّد جراحه. إخوتي، إنّ هذا الإنجيل، وهذا المثل تحديدًا، ليس مجرّد نصّ يتحدّث عن عمل الرحمة أو التعاطف، بل يذهب أبعد ليقول خصوصًا لمَن يؤمنون بالشريعة، أمرًا في غاية الأهميّة.

إن أول مَن مرّ على الرجل الجريح، في الطريق من أورشليم إلى أريحا — من مدينة الصلاة، من مدينة الله، إلى أريحا التي ترمز إلى الانحلال والانحطاط الإنساني — كان الكاهن. وهذا الطريق، هو رمز لمسيرة الإنسان من العلاقة مع الله إلى الانحدار والانفصال عنه، فيصير الإنسان بعيدًا عن الله.

هذا الرجل الجريح يرمز إلى الإنسان الذي سقط في طريق حياته. مرّ عليه الكاهن، يقول لنا الإنجيل، فمال عنه ومضى. ليس لأنّ الكاهن قاسٍ أو بلا رحمة، بل لأن الكاهن اليهودي كان ممنوعًا عليه أن يلمس الدم، إذ إن الدم هو رمز الحياة، ولمسه يجعله نجسًا، فيصبح غير طاهر وغير قادر على تقديم الذبيحة للربّ. وكان يتطلّب منه أن يدخل في طقوس تطهير طويلة ومعقدة ليعود إلى خدمته. لذلك ابتعد عن الرجل ومضى.

ثم جاء اللاوي، وهو أيضًا من الأشخاص المكرّسين لدراسة كلمة الله وخدمتها. فرآه ومال عنه، لنفس السبب: لا يقدر أن يلمس جراح الرجل النازفة لأن الشريعة تمنعه، إذ يصبح نجسًا وتنقطع علاقته مع الله، حتى يقوم بممارسات التطهير اللازمة.

ثم أتى في المرحلة الثالثة السامري الصالح، الذي كان السامريون في نظر اليهود خطأة وكفّارًا لأنهم لا يعبدون الله بالطريقة نفسها. غير أنّ هذا السامري انحنى وحده على الرجل المجروح في الطريق، وأسعفه، وصبّ على جراحه زيتًا وخمرًا.

وهنا، الربّ يسوع لا يكتفي بسرد قصة، بل يوجّه رسالة قويّة لليهود ولكلّ إنسان لا يزال متعلّقًا بالشريعة أو محصورًا في إطار ممارسة الشعائر. ونحن كمسيحيّين، كثيرون منّا يقعون في هذا الخطأ، إذ نظنّ أنّ ممارسة الطقوس وحدها هي التي تخلّصنا. فنقول مثلاً: «أصلّي مسبحتي كلّ يوم والله ينجّيني»، أو «إذا حضرت القدّاس كلّ يوم فأنا مسيحي صالح». كلا! هذا الإنجيل يحذّرنا وينبّهنا أنّ الشريعة والممارسات الطقسيّة وحدها لا تنفع، إذا لم ننحنِ على جراح الآخر، ونعيش محبّة الله في محبّة القريب.

فالسامري الصالح أخذ الرجل المجروح، بعد أن أسعفه، إلى الفندق، وأوصى صاحب الفندق به قائلاً: «اعتنِ به، وهنا المال، وإن أنفقت عليه أكثر، فأنا أفيك عند عودتي.» وصورة الفندق هنا ترمز إلى الكنيسة، التي هي كلّ واحدٍ منّا، مدعوّون للاعتناء بالآخر، وبالمجروح، والمظلوم، والدفاع عن الحقّ.

وإلى حين عودة الربّ يسوع في مجيئه الثاني، سيظلّ دور الكنيسة ورسالتها أن تطبّب الجراح، وتساعد الحزانى، وتقف إلى جانب الفقراء والمهمّشين، إلى أن يأتي يوم لا يكون فيه ألم ولا وجع ولا موت ولا مرض.

إخوتي، هذه هي الكلمة التي نتأمل فيها اليوم.