الله معكم إخوتي.
كما سمعنا في القراءات، نحتفل اليوم بعيد ظهور الرب. ونودّ أن نتوقف في تأمل قصير عند المجوس الثلاثة، الذين كانوا من أوائل الشهود على ولادة المخلّص.
أيها الإخوة، في هذا الإنجيل معنى عميق جدًا. فإذا تذكّرنا جيدًا، نجد أن أول من عرف بولادة المخلّص ينتمون إلى فئتين: الرعاة والمجوس. الرعاة، كما ذكرنا سابقًا، كانوا من اليهود الذين لا قيمة لهم في نظر المجتمع اليهودي، لأنهم كانوا يعيشون حياة الترحال، ينتقلون من مكان إلى آخر، فلا يستطيعون الصلاة دائمًا في الهيكل، ولا الالتزام بطقوس الطهارة كما يجب، ولذلك كانوا يُعتبرون من أدنى طبقات المجتمع، ومنبوذين، رغم أنهم من المنتظرين للمخلّص. ومع ذلك، كانوا من أوائل من سمعوا خبر: «وُلد لكم اليوم مخلّص».
والأمر نفسه ينطبق على المجوس، الذين جاؤوا من بلاد فارس، أي من إيران اليوم. ونحن مدعوون أيضًا أن نصلي من أجل هذا البلد الذي يشهد كثيرًا من القتل في سبيل الحرية. هؤلاء الفرس، أي الإيرانيون، ليسوا من شعب الله المنتظر، ولا من الذين كانوا ينتظرون المخلّص بحسب العهد القديم. ومع ذلك، ظهر الله لهم أيضًا، وكانوا من أوائل الشهود على ولادة المخلّص.
وهذا يحمل معنى مهمًا جدًا في حياة الكنيسة: الله لم يأتِ لفئة واحدة من الناس، ولم يأتِ للنخبة، ولم يأتِ فقط لمن يعيشون وفق معايير محددة، بل على العكس، أتى لمن يُعتبرون في نظر البشر بعيدين عن الله: سواء الرعاة المزدرَين من المجتمع اليهودي بسبب أسلوب حياتهم، أو الوثنيين الذين ليسوا من شعب الله المختار بحسب العهد القديم. الله يأتي لكل إنسان، مهما شعر أنه بعيد. ومع يسوع نكتشف أنه لا يوجد إنسان بعيد عن الله، ولا أحد محروم من خلاص الرب.
نحن أيضًا، أيها الإخوة، لسنا في أصلنا من الشعب المختار، بل ننتمي إلى شعوب وثنية قديمة، مثل الفينيقيين وغيرهم. وبالتالي، هذا الإنجيل موجّه إلينا أيضًا، ليعطينا علامات واضحة عن كيفية عيش المسيحي لإيمانه.
المجوس كانوا ينظرون إلى السماء. لماذا؟ لأنهم رأوا نجمًا يضيء، لكن ليس فقط لأنهم رأوا نجمًا، بل لأن التقليد الكنسي يخبرنا أنهم كانوا علماء فلك، مثقفين يدرسون الظواهر السماوية. والله عرف كيف يجذبهم من خلال ما يخص حياتهم. فلو لم يكونوا علماء فلك، ولو لم تكن حياتهم مرتبطة بدراسة النجوم، لربما رأوا النجم وتجاهلوه. لكن لأن هذا الأمر كان في صميم حياتهم، أضاء الله هناك، وأثار فضولهم، وأشعل في قلوبهم الرغبة في تتبّع هذا النجم، حتى يلتقوا في النهاية بالمخلّص، ملك الكون.
وهكذا معنا نحن أيضًا. إذا أردنا أن نسير خلف يسوع، فالله يخاطب كل واحد منا بطريقة خاصة. يدقّ على باب كل قلب من خلال ما نعيشه: من خلال الصعوبات، والتجارب، والأحداث المؤلمة أحيانًا. قد نشعر أن الله بعيد، لكنه في الحقيقة يكلّمنا من قلب واقعنا، لا خارج حياتنا. الله لا يطلب منا أن نهرب من واقعنا أو نتنكّر له كي نبحث عنه، بل يريد أن يجدنا ويجذبنا إليه من داخل هذا الواقع، كما هو.
أحيانًا نبحث عن يسوع في أماكن أخرى، وننسى أن الله يكلّمنا فقط من خلال حقيقة حياتنا اليومية، بأوقاتها الكبيرة والصغيرة، حتى تلك التي نعتبرها تافهة. هناك يريد أن يعمل فينا.
وصل المجوس إلى المغارة، ووجدوا الطفل يسوع. وهذا الوصول هو رمز للقاء بالله: حين نسمح لله أن يجذبنا من خلال أسئلتنا العميقة: ما هدف حياتي؟ إلى أين أنا ذاهب؟ ما معنى حياتي؟ هناك يقودنا الله إلى لقائه، ويمنحنا الجواب.
وجدوا الطفل في حضن مريم، امرأة تحمل الإله. وعرفوا فورًا أنه المخلّص، الذي جاء ليمنحهم أملًا جديدًا وأفقًا جديدًا. وهذا اللقاء يكشف لنا ثلاث حقائق أساسية:
أولًا: يسوع هو الملك، ولذلك قدّموا له الذهب، لأن الذهب لا يُقدَّم إلا للملوك. رأوا في هذا الطفل الصغير ملكًا على حياتهم، لا مجرد طفل موضوع في مذود.
ثانيًا: قدّموا له البخور، وهو علامة الألوهية. يسوع هو إلهنا، هو خالقنا، ولا أحد سواه قادر أن يعطي معنى حقيقيًا لحياتنا.
ثالثًا: قدّموا له المرّ، وهو رمز للآلام والموت. كانوا يستخدمونه لتحنيط الأموات، لكنه أيضًا يرمز إلى القيامة، لأنه يمنع التعفّن ويشير إلى الحياة التي لا تزول. وهكذا، بيسوع، نصبح ورثة القيامة والحياة الأبدية، حيث لا موت ولا فساد.
ختامًا، أيها الإخوة، لنجعل من هذا العيد مناسبة لنتماهى مع المجوس: نحن الذين تعرّفنا إلى يسوع من خلال المعمودية والكنيسة، مدعوون أن نقرأ علامات الله في حياتنا، وأن نسمح له أن يكلّمنا من داخل واقعنا، لا أن نهرب منه. هناك يقودنا إلى لقاء المغارة، لنصير ورثة الحياة الأبدية، والسلام، والفرح الحقيقي.
ولتكن المياه التي نغتسل بها اليوم تذكارًا لمعموديتنا، علامة تطهير وتجديد، لا للجسد فقط، بل للقلب أيضًا، حتى نصبح بشرًا جددًا، نضع حياتنا بين يدي الله، ونسير معه بثقة وإيمان.
