الله معكم، إخوتي. كما قلنا في بداية القداس، تحتفل الكنيسة اليوم بذكرى تدشين بازيليك اللاتران في روما، وهي الكرسي الرسولي، الكرسي الذي ينطلق منه البابا ليعلّم، وهذا هو دور الأسقف، وهذا هو دور الكنيسة أو البازيليك التي تتكرّس منها الكنائس وفيها.
ما هي أهمية هذه البازيليك؟
لقد بُنيت بعد انتهاء الاضطهاد على المسيحيين سنة 324 على يد الإمبراطور قسطنطين نفسه، الذي كان قد اعتنق الإيمان المسيحي. وتُعتبر هذه الكنيسة “أمّ الكنائس” جميعها، إذ إنّها أول كنيسة شُيّدت في الغرب، ومن بعدها بُنيت سائر الكنائس. دُمّرت بازيليك اللاتران مرّات عدّة في الحروب، وآخر مرّة أُعيد بناؤها في القرن الثامن عشر. وهي تضمّ رفات عدد من القدّيسين والرسل الكثيرين.
واليوم، إذ نحتفل بهذا العيد، تختار الكنيسة لنا هذا الإنجيل الذي سمعناه جميعاً، وهو من النصوص القليلة التي نرى فيها يسوع يتصرّف بعنف ظاهر، حين دخل إلى الهيكل.
الهيكل بالنسبة لليهود هو مكان حضور الله. دخل يسوع وبدأ يقلب طاولات الصيارفة ويطرد الباعة والغنم والبقر، لأنّ الهيكل تحوّل إلى سوق، إلى مكان تجارة.
قد يبدو ما كان يجري هناك في ذاته أمراً عادياً، لأنّ اليهود الآتين من بلدان بعيدة كانوا بحاجة إلى شراء الذبائح وتبديل عملاتهم الأجنبية بالعملة اليهودية المقبولة في الهيكل. ولكن يسوع، عندما قلب الطاولات وطرد الباعة، لم يكن يحتجّ فقط على تصرّف تجاري، بل كان يعلن إعلاناً جديداً، كلمة جديدة. لقد أراد أن يكسِر مفاهيم سابقة متجذّرة في أذهان الناس.
ولهذا سأله اليهود: «بأيّ آية تُظهر لنا أنّ لك سلطاناً لتفعل هذا؟»
فأجابهم: «انقضوا هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيّام».
فسخروا منه قائلين: «هذا الهيكل العظيم الذي بُني في مئات السنين، أتقيمه في ثلاثة أيّام؟»
لكن يسوع لم يكن يتحدّث عن هيكل الحجر، بل عن هيكل جسده. كان يُعلن انتقالاً جذرياً: من هيكلٍ ماديٍّ يُظَنّ أنّ الله يسكن فيه حصراً، إلى هيكلٍ جديدٍ هو جسد المسيح نفسه.
وما هو جسد المسيح اليوم؟
إنّه الكنيسة. ويسوع هو رأس الكنيسة، ونحن الأعضاء فيها. نحن وإيّاه صرنا معاً الكنيسة، أي مكان سُكنى الله.
لذلك، حتى لو دُمّرت الفاتيكان أو سقطت الكنائس كلّها، لا نخاف ولا نضيع، لأنّ الله لم يَعُد يسكن في حجارة، بل في القلوب.
اليهود عندما دُمّر الهيكل تاهوا، إذ ظنّوا أنّ الله زال مع زوال الهيكل، ولم يعرفوا أين يلتقونه بعد. أمّا يسوع فيُعلن لنا اليوم أنّه لا شيء يمكنه أن يُدمّر مكان وجود الله، لأنّ الله يسكن في كلّ واحدٍ منّا. لا قوّة في العالم تستطيع أن تسلبنا حضوره، لأنّ روح الله حلّ فينا منذ يوم عمادنا، فصرنا هياكل له كما قال القدّيس بولس لأهل كورنتس:
«أما تعلمون أنكم هيكل الله، وأنّ روح الله ساكن فيكم؟»
لقد أراد بولس أن يذكّرهم أنّ الإيمان الجديد ألغى المفهوم الحصري للهيكل المادي، وأنّ الله لم يَعُد محدوداً بمكان.
ما أروع هذه الحقيقة! نحن هيكل روح الله.
الله حاضر في كلمته، حاضر في جسده الذي نتناوله، حاضر فينا بروحه الذي سكن في أجسادنا يوم العماد.
ولا شيء يمكن أن ينتزع منّا هذا الفرح أو هذا السلام أو هذه الحقيقة العميقة: أنّنا صرنا هيكل الله الحيّ.
وإيماننا بهذه الحقيقة، إن كان إيماناً حقيقيّاً صادقاً من القلب، يغيّر نظرتنا إلى الحياة، ويمنحنا القوّة لمواجهة كلّ صعوبة وكلّ تحدٍّ.
فإذا كان الله ساكناً فيّ، فلا شيء يمكنه أن يغلبني، لا الموت، ولا الخوف، ولا الظلمة، لأنّ روح الحياة يسكن فيّ، والانتصار الأخير هو دائماً للحياة، لربّ الحياة يسوع المسيح، الذي روحه مسكوبة فينا.
فلنضع هذه الحقيقة في قلوبنا، ونتذكّر دائماً:
نحن هيكل الربّ يسوع، هيكل روحه القدّوس.
حتى إن حُرمنا من الذهاب إلى الكنائس، حتى إن هُدمت كلها، لا نخاف، لأنّنا نحن الكنيسة الحيّة، نحن هيكل روح الربّ الساكن فينا، ولا شيء يمكنه أن ينتزع هذه الحقيقة منّا.
فلنأخذ لحظة نتأمّل فيها في هذه الكلمة، ولنشكر الربّ على سُكنى روحه فينا.
