عظة الأب شربل نادر – ٨ شباط ٢٠٢٦

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

كما قلنا، إخوتي، في بداية القداس، نحن اليوم نبدأ أسبوع الموتى المؤمنين. ولماذا نقول: المؤمنين؟ لأن الموتى المؤمنين لهم مصير مختلف عن الموتى غير المؤمنين. كما تعلمون، الرب يسوع أتى بالجسد، وبشّر، ومات، وقام، لكي يعطي كل واحد منا إرثًا، إرثًا مهمًّا وأساسيًّا، وهو الحياة الأبدية، قيامة الجسد من الموت، لكل من يؤمن به. هو الذي قال: «من مات وآمن بي فسيحيا».

إخوتي، اليوم في هذا الإنجيل، تضع لنا الكنيسة إنجيل الغني ولعازر، لكي نتأمل حقيقةً في حياتنا المسيحية. كلنا لدينا أموات تركونا، تركوا هذه الأرض وهذه الحياة، وصاروا، إن شاء الله، عند ربنا. لكن هذا العيد، إخوتي، ليس فقط لكي نذكر فيه أمواتنا ونصلي لهم ليكونوا حقًا في أحضان الآب السماوي، بل هو أيضًا عيد لنتأمل فيه نحن بحياتنا اليوم.

لأن حياتنا اليوم، وما نعيشه اليوم، هو الذي يحدد مصيرنا الأبدي: هل سنكون ورثة الحياة الأبدية، ورثة ملكوت الله، أم لا؟

إنجيل الغني ولعازر لم يأتِ ليقول لنا إن الغني ذهب إلى الجحيم لأنه غني، ولا إن لعازر ذهب إلى أحضان الأنبياء والرب يسوع لأنه فقير. فالغنى لم يكن يومًا سببًا للدينونة، والفقر لم يكن يومًا، بحدّ ذاته، استحقاقًا مسبقًا للحياة الأبدية. أبدًا.

المشكلة في مكان آخر، وأعمق من ذلك. فما هي هذه النقطة الأساسية التي تختصر حياتنا المسيحية، والتي على أساسها يُحدَّد إن كنا حقًا ورثة ملكوت الله أم لا؟

تتذكرون إنجيل متى الإصحاح 25، إنجيل الخراف والجداء، حيث يقول الرب: «تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت، لأني كنت جائعًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني…». فخلاصة الحياة المسيحية، والنقطة الأساسية التي على أساسها نعرف إن كان الإنسان مؤمنًا حقًا أم لا، وإن كان وارثًا لملكوت الله أم لا، هي: ماذا نفعل للآخرين.

لهذا نرى في هذا الإنجيل أن المشكلة ليست في الغنى ولا في الفقر، بل في العمى. العمى الداخلي. كان الفقير على باب الرجل الغني كل يوم، لكن الغني لم يكن قادرًا أن يرى فقره، ولا أن يرى جراحه. كان قلبه أعمى، وربما قلبه أعمى أكثر من عينيه. لأن العين قد ترى، لكن النظر لا يكفي إن كان القلب أعمى.

هناك أناس يرون فتتحرك في داخلهم الرغبة بأن يتدخلوا، بأن يعملوا، بأن يحبوا، بأن يرحموا، بأن يساعدوا. وهناك أناس يرون، ولا يتحرك في قلبهم شيء. وهذه، إخوتي، هي النقطة الأساسية اليوم: إلى أي حدّ لدينا القدرة، عندما نرى، أن ننفتح من الداخل، وأن نترك ما نراه يقرع قلبنا في العمق.

هذه ليست مسألة سهلة، وليست عند الجميع. إنها مسألة تحتاج إلى عمل، وإلى قناعة، وإلى جهاد داخلي. حتى الكلاب، كما يقول الإنجيل، كانت تلحس جراح لعازر. مخلوقات بلا عقل مفكر مثلنا، لكنها تصرفت بغريزتها، فأشفقت عليه، بينما الرجل الغني كان يراه كل يوم، ولم يتحرك فيه شيء.

لذلك، إخوتي، استحق الرجل الغني، بنتيجة أفعاله وقراراته، ما وصل إليه. ويقول لنا الإنجيل أيضًا إن الفقير كان له اسم: لعازر، أما الغني فلا اسم له. لأنه غير معروف. فالله يعترف بمن يعترف به. والرجل الغني، برفضه أن يرى الفقير والمجروح، كان في الحقيقة يرفض أن يعترف بالله.

الرب يقول: «من يستحي بي أمام الناس أستحي به أنا أيضًا». ليس لأن الله قاسٍ أو مستبد، بل لأن الإنسان بحرّيته يختار أن لا يدخل في شركة مع الله، ولا يقبل أبوّته.

فإذا أردنا، إخوتي، أن يكون لنا اسم، أي أن نكون حاضرين وموجودين في عيني الله، علينا أن نسأل أنفسنا اليوم: أين أنا من الفقير؟ أين أنا من المحتاج؟ أين أنا من الأشخاص الذين يضعهم الله على طريقي، وأستطيع أن أساعدهم؟ وكثيرًا ما يكون هؤلاء قريبين منا جدًا: في عائلاتنا، بين إخوتنا، بين أهلنا. فالحياة المسيحية، التي يكون فيها الآخر حاضرًا، تبدأ أولًا من المحيط القريب.

يقول إبراهيم للرجل الغني: «بيننا وبينكم هوّة عظيمة». هذه الهوّة لم يضعها الله، بل حفرها الإنسان بنفسه، بقراراته وتصرفاته وأنانيته. والجحيم، إخوتي، ليس نارًا كما نتصورها في الصور أو الأفلام، بل هو البُعد عن الله. لا شيء آخر. العذاب الحقيقي هو الانفصال عن الله.

والبشارة الحلوة اليوم هي أن هذه الهوّة يمكن ردمها. ما دمنا أحياء، وما دامت لدينا الحرية، نستطيع أن نغيّر. نستطيع أن نردم هذه الهوّة حين نصغي لحاجة الآخر، ونفتح قلوبنا لألمه، ونسمح لوجعه أن يطرق أعماقنا، كما فعل يسوع حين رأى الأعمى، والمشلول، والمجروحين في الجسد والروح.

هذه هي دعوتنا: أن نكون نور العالم وملح الأرض، أن يكون لنا اسم، اسم معروف عند الله، وأن نكون حقًا ورثة الملكوت.

لذلك، إخوتي، في هذه اللحظة من الصمت، لنسأل كل واحد منا نفسه: أين أنا؟ هل أنا أعمى عن حاجة الآخر؟ هل هناك أماكن في حياتي أحتاج أن أعمل عليها أكثر؟ فالجحيم لا يبدأ بعد الموت فقط، بل يبدأ اليوم، عندما أختار أن أغلق قلبي. والملكوت أيضًا يبدأ اليوم، عندما أفتح قلبي للمحبة والرحمة.

فلنطلب من الرب النعمة والقوة، لكي نكون حقًا، على هذه الأرض، شهودًا لمحبته ورحمته. آمين