إخوتي،
اليوم هو الأحد الثاني من زمن الميلاد، واليوم نتأمّل في هذا الإنجيل الذي يحدّثنا عن فعل التجسّد، تجسّد الرب يسوع. في بداية هذا الإنجيل، من إنجيل يوحنّا، الذي هو بمثابة شعر لاهوتي عميق جداً . مار يوحنّا، كان أسلوبه في الكتابة مختلفًا عن الإنجيليين الثلاثة الآخرين؛ إذ إن إنجيله لاهوتي عميق، مليء بالرموز، لكي يوصل إلينا البشارة بطريقة مختلفة.
ونرى في هذا الشعر اللاهوتي كيف أنّ الله يسوع المسيح، هو الله الكلمة، اللوغوس. وهذه الكلمة ليست الكلمة التي ننطقها بالصوت، بل هي الكلمة التي تفعل، الكلمة الفعل. إنّها الكلمة الرب يسوع، الذي غيّر كل شيء، وحوّل كل شيء، وأعطانا المستحيل فصار حقيقة.
وإخوتي، ما لمسني أيضًا كثيرًا اليوم هو القراءة الثانية التي قرأناها، وهي من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس. ففيها، إخوتي، نكتشف أنّنا اليوم، نحن مدعوّين للتأمّل في تجسّد يسوع المسيح، فإنّ هذا التجسّد ليس فقط فعلًا إلهيًا عظيمًا، أرسل فيه الله ابنه ليصير بيننا، بل هو أيضًا حدث يريد أن يقول شيئًا لكل واحد منا.
حدث الميلاد: ماذا جاء ليضيف إلى حياتي؟ ماذا جاء ليقول لي؟ لكل واحد منّا، لي ولكَ ولكِ، ماذا جاء ليقول؟
إنّ جسد يسوع المسيح ليس حدثًا تاريخيًا بعيدًا ومنفصلًا عن حياتنا، بل هو متجذّر بعمق في حياة الإنسان. لأنّ الله، بتجسّده، جاء ليقول إنّ جسدنا، إنسانيتنا، لها قيمة عظيمة. الله الذي صار إنسانًا يقول لنا إنّ الإنسان مهم جدًا، وإلّا لما صار الإله إنسانًا. فلا أحد يصير شيئًا لا قيمة له في حياته.
في عينيّ الله، نحن مخلوقاته، بإنسانيتنا كما هي، بضعفها، بكل ما فيها من حلو ومرّ، نحن عظيمون. وقد تجسّد وأخذ إنسانيتنا لأنه يحبّ الإنسان الذي خلقه. هو فعل اتحاد لاهوته بإنسانيتنا، لكي يرفع إنسانيتنا إلى مستوى لاهوته.
وإخوتي، كيف نحن مدعوّون؟ ولماذا نحن مدعوّون؟ وما هو مسار إيماننا المسيحي؟
يقول لنا القديس بولس:
«تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا في المسيح بكل بركة روحية في السماوات، لأنه اختارنا قبل إنشاء العالم لنكون في نظره قديسين بلا عيب في المحبة، وقدّر لنا منذ الأزل أن نتبنّى بيسوع المسيح، على ما ارتضته مشيئته، لحمد مجد نعمته التي أنعم بها علينا في الحبيب».
انظروا كم هو واضح الهدف: هدف مسيرتنا، هدف وجودنا، أن نكون قديسين بلا عيب في المحبة. قديسين، ولكن بماذا؟ بالمحبة.
إنّ مسيرتنا المسيحية كلّها تتمحور حول نقطة الوصول. ليس المهم فقط ما أعيشه اليوم في حياتي، فالطريق بحد ذاته لا يحدّد هويّتي، ولا يفرض عليّ إن كنت فرحًا أو حزينًا، محبطًا أو واقفًا بثبات. إنّ الهدف هو الذي يعطي المعنى لهذه الحياة. الهدف هو الذي يعطي معنى للمسيرة، وهو الذي يعطينا النعمة لنعيش الحاضر، أي الطريق الذي نسلكه، من أجل الوصول إليه.
لكننا كثيرًا ما ننسى الهدف، وننغمس في الحاضر. نعم، نحن مدعوّون أن نعيش الحاضر بوعي، وأن نعيشه كما هو، وهذا أمر ضروري جدًا. يسوع لم يهرب من الواقع، ولم يقبل أن ينسلخ عن الحاضر، بل عاش الواقع كما هو، بألمه، بجراحه، بصعوباته، متّكلًا على الله في قلب الألم والوجع، وفي لحظات الموت والخيانة.
الله لا يطالبنا أن ننسلخ عن الواقع، بل أن نضع له معنى، أن نستبق المعنى النهائي لحياتنا ووجودنا باستحضاره في الحاضر. عندها، مهما كانت المسيرة صعبة، ومليئة بالمطبّات، بالتعب والقلق على المستقبل، بالمرض، بالفقر، بالفشل، بالتحديات الكثيرة، تبقى نقطة الوصول هي التي تعطينا الأمل، وهي التي تعطي معنى لمسيرتنا.
نقطة الوصول هي الاتحاد الكامل بالرب يسوع، حيث تكتمل إنسانيتنا التي خُلقت على صورته.
هذا هو المشوار الذي نسير فيه اليوم، والتجسّد في حقيقته جاء ليعطي معنى لهذا المشوار، وليذكّرنا بأنّ يسوع أخذ إنسانيتنا لكي لا يكون طريق الإنسان نحو الله غريبًا عنه، لأنه هو نفسه سار هذا الطريق، حين تجرّد من لاهوته وعاش كإنسان متّكل على الله، حتى في لحظات الصلب والموت والخيانة والألم، وكان قادرًا أن يرى المعنى.
وهذا، إخوتي، ما نحن مدعوّون اليوم للتأمّل فيه. تأمّلنا في فعل التجسّد يجب أن ينعكس على حياتنا ويغنيها.
يقول الإنجيل:
«لأن الشريعة أُعطيت عن يد موسى، أمّا النعمة والحق فقد أتيا بيسوع المسيح».
لنقف قليلًا عند هذه الجملة المهمة. شريعة موسى، والوصايا العشر، ماذا تفعل؟
«لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور…»
إنها تشير إلى خطايانا، تضع الإصبع على ضعفنا، لكنها لا تعطينا الحل، ولا تفتح لنا أفق الخروج. تحكم علينا بأننا خطأة، لكنها لا تمنحنا الطريق.
من أعطانا الطريق؟
يسوع المسيح.
لذلك يقول الإنجيل: «أما النعمة والحق فقد أتيا بيسوع المسيح».
يسوع لم يغيّر طبيعتنا، لم يحوّلنا فجأة من خطأة إلى غير خطأة. نحن ما زلنا ضعفاء. لكنه أعطى لهذه الطبيعة نعمته. قال لنا: لا تخافوا من خطيئتكم، ولا من ضعفكم، لأنني أنا القادر أن أُحوّل كل شيء. الخطيئة التي كانت سبب الموت، صارت نقطة دخول نعمتي إلى حياتكم، لكي تتابعوا المسيرة، وتسيروا في الطريق نحو الهدف الأخير.
وهذا الهدف هو الذي يعطي معنى لوجودنا، ومعنى لآلامنا ووجعنا وضعفنا، كما يعطي معنى للحظات الحب والفرح التي يمنحنا إياها الرب في حياتنا.
هذا، باختصار، ما يدعونا إليه اليوم التأمّل بفعل التجسّد، بميلاد الرب يسوع المسيح الذي أخذ إنسانيتنا، كيف نعيشه اليوم في حياتنا.
فلنطلب، إخوتي، في هذه اللحظة، نعمة من الرب: أن نعرف كيف نعيش سرّ التجسّد، حقيقة التجسّد، في حياة كل واحد منا.
وُلِدَ المسيح.
