إخوتي،
كلمة الرب اليوم تأتي لتدخل في صلب حياتنا، لتتكلم عن تعبنا، عن تعب الانتظار في حياتنا. أحببت كثيرًا في القراءة الأولى صورة إبراهيم، أين كان إبراهيم؟ كان جالسًا عند باب خيمته، في حر الظهر، ينتظر. ما هو أكبر تعب نعيشه أنا وأنتم؟ إنه تعب الانتظار. ننتظر ونعيش خيبات الأمل. أن تنتظر ولا تجد جوابًا على انتظارك، تلك من أكبر الخيبات. وأصعب الأوجاع نعيشها يوم نرى كيف تفوت الفرص من حياتنا. ننظر فنرى: “ذهبت الفرصة!”، “لن تعود مثلها!”. كم من الأمور في حياتنا نراها ذهبت: ذهب شبابي، ذهب عمري، ذهب تعبي. ربيت أولادي، تعبت عليهم، وجاء اليوم الذي كنت أنتظر أن أقطف فيه الراحة، فإذا بشيء يحدث ويأخذ كل شيء.
أنظر لحياتي: تعبت، درست، نلت شهادات. لكن الواقع الذي أعيشه اليوم لا يوازي حجم ما تعبت، لا يوازي حجم ما انتظرت. إخوتي، نقضي عمرنا كله أمام خيبة الانتظار، وخيبة الخيبة. حياتنا كلها انتظار، وفي كل مرة نجد أنفسنا في فراغ أكبر من الذي سبق، ونعود فنقول: هل ما زالت هناك فرصة يمكن أن أنتظرها؟ هل ما زالت هناك فرصة قد تكون فرصة عمري؟
إبراهيم، الذي كان ينتظر عند باب الخيمة في حر الظهر، مرت به ثلاثة رجال. من يشرح الكتاب المقدس يقول إنها صورة للثالوث الأقدس في العهد القديم. إبراهيم سجد وقال: “يا سيد، يا رب، لا تمضِ، لا تفوّت هذه الفرصة دون أن تدخل إلى خيمتي، لا تمر دون أن تزورني، دون أن يكون هناك لقاء ما”.
وأنا وأنتم اليوم، أمام كل انتظارات حياتنا، جئنا لنختبر فرصة إذا مضت، تستحق أن تُسمّى فرصة لا تُعوَّض. كل ما مضى، من فرص ضاعت، صدّقوني، سنتعلم أنه كان تمهيدًا لاختبار ما، لنعرف ما هي الفرصة الحقيقية، ما هو النصيب الأفضل. كم من مرّة نحزن على أشياء لا تستحق، ونعِد أنفسنا بفرص نكتشف لاحقًا أنها لم تكن فرصًا أصلًا. هل يُعقل أن تكون حياتي كلها بانتظار فرصة مثل هذه؟ وحتى في الخسارة، إذا لم أكتشف ما معنى الفرصة فيها، أكون قد أضعت فرصة أكبر.
يقول بولس في الرسالة: دعوتنا اليوم أن نكمّل ما نقص من آلام المسيح في جسده. إخوتي، ما نقدر عليه، نحن، لا يزيد شيئًا على آلام يسوع. مشروع الخلاص كامل. ما فعله يسوع كافٍ، ونحن لا نضيف عليه. ولكن ما ينقص لكي يكتمل مشروع الخلاص فينا، هو أن حياتي تقبله. أن أفتح كياني، جسدي، انتظاراتي، قلبي، ليحتوي هذا المشروع. لا نكمّل آلام المسيح من عندنا، ولا نزيدها وجعًا، بل نقبل أن يصير هذا الخلاص واقعًا فينا.
كل القراءات التي تقدّمها لنا الكنيسة اللاتينية اليوم بمناسبة عيد القديسين إيليا وشربل، تأتي لتمنحنا كلمة خاصة. الإنجيل يقدّم لنا شخصيتين تعوّدنا سماع اسميهما. إنما الأهم اليوم: أن نصغي لكلمة الله لتتحوّل حياتنا إلى عمل. أنا وأنتم جئنا لنسأل: ما عمق هذا اللقاء؟ ماذا كانت تعيش مريم؟ ما الذي اختبرته؟ ما هي الفرصة التي لا تُعوّض؟ ما هو النصيب الأفضل؟
إيليا، نعرفه جيدًا في العهد القديم، في سفر الملوك. كان نبيًا قويًا، أُعطي القدرة أن يصنع العجائب: حبس المطر، ثم أطلقه، ساعد الأرملة، أقام ابنها من الموت، صنع عجائب، حتى في أرض وثنية.
ثم دخل في حرب كبرى على جبل الكرمل، وبعدها خاف وهرب واختبأ في المغارة. الله قال له: “اخرج، لأني آتٍ لألقاك”. أتت الفرصة. وإيليا، أمام كل ما عاشه من قوة، كان ينتظر أن يرى الله. فإذا بعاصفة قوية تمر، فلم يكن الله فيها. ثم زلزال، ولم يكن الله فيه. ثم نار تحرق، ولم يكن الله فيها.
وأخيرًا نسيم عليل… وهناك التقى إيليا بالله.
ما هو هذا النسيم العليل؟
الإنسان، أمام العاصفة والزلازل والنار، يفكّر: “كيف أخلّص نفسي؟ كيف أواجه؟”. يظن أنه يجب أن يفعل شيئًا، أن يبذل مجهودًا. لكنه أمام نسيم عليل، لا يعود يعمل، بل يستسلم. يخلع حذاءه، ويستريح، ويلقي بنفسه بين يدي الله.
هكذا اختبر إيليا اللقاء مع الآب، لا ليحاسبه، بل ليُريحه، ليقول له: “ارتَحْ، أمام تعبك، أمام خوفك، أنا آتٍ إليك لأريحك”.
وشربل؟
من هو شربل؟
هل هو قديس عظيم لأن ترابه يشفي؟ أو لأنه اشتهر؟ كلا. شربل ما تكلم، لم يقل شيئًا. كل العبارات المنسوبة إليه ليست له، بل شربل عاش. عاش فرصة لا تُفوّت. عاش لحظة اللقاء الدائم مع الله.
ترك الدنيا، ترك السياسة، ترك المال، ترك كل شيء، لأنه وجد الفرصة. ماذا فعل في المحبسة؟
المحبسة لم تكن صمتًا فارغًا، بل كانت امتلاءً بحضور الله.
شربل، عندما انتقل إلى المحبسة، اختار النصيب الأفضل، الفرصة التي هي كل لحظة مع الله. هذا هو معنى حياته. هذا هو لقاؤه الذي ملأ حياته.
هذان القديسان يقدّمان اليوم كلمة لحياتنا، نحن الهاربين، المتعبين، المنتظرين، الذين نعيش خيبات، ولا نعرف الفرص الحقيقية.
الفرصة هي أن أكتشف أنه حتى في الخسارة، هناك فرصة: أن أقف بين يديك، يا رب. أن أسمعك. أن ألقاك. أن تمتلئ حياتي بك.
الله لا يعوّض خساراتنا بفرص تضللنا مجددًا.
من خسر ابنه، لا يعطيه الله ابنًا آخر.
من خسر صحته، لا يعوّضها الله بصحة جديدة.
من خسر ماله، لا يُغنيه الله مجددًا.
الله لا يعوّض بالبدائل، بل يعطي نفسه.
الله يعطي ذاته.
وهذا هو النصيب الأفضل.
واليوم أنا وأنتم أمام فرصة العمر.
وسنختبرها بصرخة:
“يا رب، لا تمضِ قبل أن تدخل إلى خيمتي!”
في نهار فراغ القلب، في حرّ الظهر، سنختبر هذا اللقاء، اللقاء القادر أن يملأ حياتنا.
لا تخافوا.
هذه الفرصة متمسكة بنا.
يسوع هو من يسعى لهذا اللقاء.
فلنفتح له باب الخيمة، ليجلس معنا، ويجري فينا اختبار حب، لقاء، إيمان، اختبار قادر أن يملأ حياتنا.
لنأخذ لحظة صمت وتأمل، ثم نُتابع القداس.
