مساء الخير، “ينعاد عليكم”، أولًا أود أن أشرح لكم لدقيقتين ما هي هذه الذخائر. نحن هذه السنة نحتفل باليوبيل الأربع مئة على تأسيس رهبنة الآباء العَزريين (1625). قلنا: ماذا نعمل كي يكون لهذا اليوبيل رمز؟ طلبنا من إخوتنا في فرنسا — وأنتم تعلمون أن قلب مار منصور محفوظ حتى الآن في كنيسة «الرو دو باك» جهة اليمين من المذبح هناك تمثال لمار منصور — فقدموا لنا ذخيرة من قلب مار منصور. شعرت أن هذه مناسبةٌ مهمة، لأن القلب عضوٌ في الجسد؛ الذخيرة من أي عضو من الجسم كانت — لا تغيّر شيئًا في يده أو ساقه، لكنها ذات رمزية كبيرة. القلب يرمز لجوهر الإنسان؛ يرمز للمَحَلّ العميق الذي يتَّخِذ فيه الإنسان قراراته الكبيرة، المكان الذي يطرح فيه الإنسان الأسئلة العظمى: من أين آتٍ؟ إلى أين ذاهب؟ ما قيمتي؟ من يحبني؟ إذا متُّ فماذا يبقى مني؟ ماذا صنعت في هذه الدنيا؟ هذه الأسئلة العظيمة التي لا يجيب عنها أحد في النهاية إلّا الله. نقضي حياتنا في زرع أمور، وفي لحظةٍ تأتي يزول كل شيء. وفي رأيي، سرّ قداستِه مار منصور كان في قلبه قبل أن يكون في يديه أو ساقه — سأُبيّن لكم لماذا هذا يهمني كثيرًا؛ لأن مار منصور قديس مهم لعصرنا أيضًا.
عندما نسمع «مار منصور» يتبادر إلى أذهاننا فورًا فكرة مساعدة للفقراء — فهذا شيء جميل ومهم جدًّا. لا نريد أن نشوهها بالعكس، سنُعطيها معنى أعمق؛ لكن لماذا صار رمزًا لمساعدة الفقراء؟ لماذا كرّس حياته لمساعدة الفقراء؟ يسأل البعض: لماذا؟ بادئ الأمر، حين ابتدأ مار منصور حياته الكهنوتية، كان ذكيًا ومجتهدًا، لكنه جاء من عائلة ليست غنية، بل فَقِيرة قليلًا. كان ينبغي أن يُرسَم كاهنًا، لكن خرج قرارٌ من المجمع التريدانتيني يمنع الرسامات قبل سنّ العشرين. فذهب إلى مطرانٍ عجوزٍ كاد يكون نصف أعمى ونصف واعٍ؛ أخذ إذنه وترسّم وهو في التاسعة عشرة. فبدأ كهنوته بالغش أو الحيلة. توجّه إلى باريس، ولم يكن معه كثير من المال — هو كان فقيرًا. قيل إنّ أباه باع بقرتين ليُعلِّمه. ذهب إلى باريس يسعى لمركزٍ يُعينه؛ ركزوا معي: غش، حيلة، بحث عن مركز وعن المال، أصبح يريد أن يدخل في السياسة ويتغلغل إلى بلاط الملكة… وكتب رسالة إلى أمه قائلاً: اصبري قليلًا، سأحصل على مركز أحصل فيه المال وأعود لأعوضك عن تعبك وفقرِك. كان تعلقه بأمه واضحًا — تخيّلوا شابًا بهذا العمر، بهذا الذكاء، بهذا الاندفاع! كان يرى في ذلك مشروعًا صغيرًا، ولو أن الله سمح له أن يُكمِل هذا المشروع، فمن كان يكون مار منصور؟ أو بالأحرى: من كان يكون منصور؟ كان سيكون كاهنًا عاديًّا من بين كثير من الكهنة الذين مضوا، مثل كثيرٍ من الكهنة الذين نراهم اليوم وسيمضون غدًا، ويُنسَون بعد حين. لكن الله لم يسمح له أن يُكمل هذا الطريق. ولماذا أعددتُ لكم هذه الوقائع؟ لأننا نحن اليوم، في عالمنا وفي لبناننا، مرضى بالأمراض نفسها التي كان هو مريضًا بها: حبّ المراكز، المراوغة، السياسة، السعي وراء الوصول، جمع الأموال، والرخاء الكاذب.
لو نظرنا إلى مجتمعنا لوجدنا أنه يتآكل. أتذكر حين كنت صغيرًا، لو طلّق أحدهم كان يُنظر إليه كأنها مصيبة، أما اليوم اليوم، إذا بقي زوجان متزوجَين وأكملا حياتهما معًا، نقول: هذه معجزة! أمّا كيف انقلبت الآية، فهذا أمرٌ مُحزن، أليس كذلك؟ انظروا كم كثُرت الخيانات في هذه الأيام! لم تعد الخيانة الزوجية وحدها، بل كثُرت الخيانات على أنواعها: خيانة بين الأهل، وخيانة بين الأصدقاء. صديقك أو صديقتك التي عاشت معك عمرًا يمكن أن تبيعك لأجل طبقٍ من الفاصولياء! إذا نظرنا حولنا نرى أننا اليوم نعيش في عالمٍ تسيطر عليه روحٌ واحدة: روح العالم، روح الأنانية متجذرة.
ما حدث مع مار منصور خلق له أزمة: كان في باريس مستأجرًا غرفة مع آخر من بلده، فمرض هذا الأخير واعطى مار منصور المال كي يدفع المصاريف الطبية، وأضاع المستأجر أمواله التي كانت مخزنة في البيت واتهم مار منصور بالسرقة. هل تعرفوا ما معنى أن يتهم كاهن بالسرقة؟
انظروا، حتى إلى يومنا هذا ما زلنا نسرق وننهب ونفعل الموبقات كلّها. لكن المهم عند الناس ليس الفعل نفسه، بل السمعة! صار الأهمّ ألّا يُفضَح الإنسان وألّا يُتَّهَم. كأن المسألة ليست هل يسرق أو لا يسرق، بل هل يَظهَر أمره أم لا. ولمّا ضُرِبَت سُمعة مار منصور، خرب كل شيء. كان الكهنة كلهم يسرقون، والمطارنة كلهم يسرقون، والحياة الكهنوتية كلّها مصالح. لكن الأساس عندهم لم يكن الحقيقة، بل الصيت! وهذا الاتهام وحده كان قادرًا أن يدمّر حياته، ويقضي على مستقبله، ويهدم كل مشاريعه. لم يعد يقدر أن يصل إلى بلاط الملكة، فتعطّلت مشاريعه، ولم يعد أحد يسلّمه شيئًا. تمامًا كما يحدث اليوم: كاهن واحد تُقدَّم عليه شكوى، فتنهار حياته كلها. لكن في النهاية تبيَّنت الحقيقة، واتّضح أنه لم يكن هو السارق، بل كان بريئًا.
ليس هذا هو الجوهر في القصة، لكن مار منصور هنا مرّ بأزمة وجوديةٍ حقيقية، إذ اهتزَّ قلبه وتساءل: «ما معنى حياتي؟» إذا كانت إشاعةٌ صغيرةٌ قادرةٌ أن تهدمني، فماذا يكون معنى حياتي؟ لقد دخل في أزمةٍ عميقة. وحين نمرُّ بأزمةٍ، فمن نعاتب أولًا؟ على مَن نعلّق لومَنا أولًا؟ على الله أم على غيره؟
لقد بلغ به الحالُ أن دخل في أزمةٍ إيمانية إلى درجةٍ أنه بات يكاد لا يستطيع أن يقول: «نؤمن». فكتب ال«نؤمن» على ورقة، واحتفظ بها في صدره، ووضع إصبعه على تلك الورقة ليقول لله: «يا رب، دعني أبقَى مؤمِنًا بك»، حتى لو لم تكن عواطفه معه.
ونحن ما إن تحلُّ بنا مصيبةٌ حتى نوجّه كلامنا إلى الله: «أين أنت؟ لماذا تركتنا؟ هل أنت موجود؟»
لقد مرّ بهذه الأزمة. وذكره من عاصره — مونسينور أبيللي، مطران كان يعرفه شخصيًا، كتب عن حياته — وقال إن مار منصور لم يستطع الخروج من تلك الأزمة إلّا في يومٍ ما حين دعاه رفيقه للذهاب معه إلى «أوتيل دييو» — المستشفى في ذلك العصر.
في العصور الماضية، منذ 400 سنة، المستشفيات لم تكن مكانًا للشفاء كما نعرف اليوم، بل كانت موضعًا للموت حين لم تكن هناك مضادات حيوية ولا علاجات. يأخذون المريض إلى المستشفى حين يكون الألم أكبر أو حين تقتربُ الموت. كان ذلك المكان مكانَ عذابٍ وألمٍ ووجعٍ وموت، وفي هذا المكان وقلبه مائت من الداخل هناك التقى مار منصور بيسوع. ويقول لنا أبللي (كاتب سيرته): لا نعرف بالضبط ما الذي جرى له هناك، لكننا نعرف أمرًا واحدًا، أنّه خرج من «أوتيل ديو» بعد لقائه بالمرضى وبالموت، وقد قرَّر أن يكرّس حياته كلّها لخدمة الفقراء.
وأنا هنا أريد أن أفكّر معكم: ماذا اكتشف مار منصور هناك، في «أوتيل ديو»؟ هل اكتشف البؤس؟ وهو أصلاً كان يعرف البؤس. هل اكتشف الفقر؟ وهو نفسه كان فقيرًا. هل اكتشف الناس الذين يوبخون الله؟ وهو في داخله كان يوبخ الله. هل اكتشف الناس الذين لا يرون وجه الله؟ وهو نفسه لم يكن يرى وجه الله. بل اكتشف أمرًا أهمّ: اكتشف أنّ كل غنى الدنيا زبالة، واكتشف أن الغنى الحقيقي لقلب الإنسان هو الحبّ.
الإنسان إن لم يتعرّف على حبّ الله، يبقى قلبه فارغًا. ونحن نملأ قلوبنا بصداقات وعواطف وغرام ومال وشهرة ومراكز وتصفيق الناس وظهور على الشاشات. لكن صدّقوني، من لم يكتشف أنّ له أبًا في السماء يحبّه مجانًا، قلبه سيبقى فارغًا، لأنّ هذه الأمور لا تشبع القلب. هذه كلها تدخل القلب وتخرج منه كما يخرج الطعام من الجسد – كما يقول يسوع – في الخلاء.
اكتشف مار منصور أنّ غِنى الإنسان وفرحه ومعنى حياته هو في محبّة الله. واكتشف أمرًا آخر: أنّ من يلتقي بمحبّة الله يبدأ يحبّ أخاه، يحبّه، ويظل يحبّه كما يحبّنا الله ونحن فقراء.
نحن عادةً نحبّ الناس عندما يكونون صالحين. فالإنسان إذا كان غنيًّا، الجميع يحبّه. وإذا كانت جميلة، الكلّ يتبعها. وإذا كانت مائدتك ممدودة، لا ينقصك من يحيط بك، أليس كذلك؟ وإذا كانت صحتك قوية وتخدم غيرك، الجميع يأتي إليك. أمّا عندما تمرض، فكم شخصًا يبقى عندك؟
أتذكّر أمرًا يؤلمني في قلبي. أمّي كانت امرأةً حكيمة ورفيعة المقام، وكانت نصف نساء الضيعة صديقاتٍ لها. كانت فصيحة اللسان، لها مكانتها وعلاقاتها. لكن في أوائل الستينات بدأت أعراض الألزهايمر تظهر عليها؛ صارت تسأل الأسئلة ذاتها، وتعيد الخبرية مرّتين وثلاثًا. وفجأة، لم يعد أحد يزورنا. صارت تقول لي: «يا ماما، أين هم؟ لمَ لم يَعُد أحد يطلّ عليّ؟» صار الذين يزورونها يُعدّون على أصابع اليد الواحدة.
هذا مهمّ جدًّا أن نفكّر فيه: عندما نكون بخير، يحبّنا الجميع؛ أمّا حين نضعف ونكون سيّئين، فمن يبقى معنا؟ من يحبنا؟
وهنا مشكلة أخرى أيضًا: عندما نخطئ، مَن يحبّنا؟ كلّنا نخطئ. نحن نحبّ أصحاب المزايا الحسنة، لكننا لا نحبّ مَن يخطئون، وخصوصًا إذا أساؤوا إلينا. ومع ذلك، هناك شخصان في العالم يحبّان الفقير ويحبّان الخاطئ: الأوّل هو يسوع، والثاني هو كلّ من تعرّف إلى يسوع وصار تلميذًا له. ومن بينهم كان مار منصور.
لذلك أرى، إخوتي، أنّ وجود هذه التخيرة بيننا اليوم ليس أمرًا نريد أن نصنع له هَرجًا أو بهرجة. فهي ليست شعوذة، ولا بالضرورة أن تُجري عجائب. لكنّها علامة حسّية مهمّة، لأنّها جزء من قلب، مثل قلبي وقلبكم. قد تراها سوداء لأنّ اللحم بعد الموت يسودّ، لكن ما قيمة هذه القطعة؟ قيمتها أنّها جزء من قلبٍ عرف محبّة الله وكرّس حياته كلّها لحبّ الفقراء، لكي يبشّرهم بمحبّة الله.
وهنا سرّ آخر: مساعدة مار منصور للفقراء لم تكن لمجرّد مساعدتهم، بل لكي يعيش هو المحبّة ويُبشّرهم بالمحبّة؛ أي ليعيش يسوع في قلبه وليُبشّر الناس بيسوع. لم يكن هدفه عملًا اجتماعيًّا بحتًا، ولا مجرّد مشروع إنساني. فعندما نساعد الفقراء، إنّما نعيش المحبّة أوّلًا، ونصير نحن أوّل المستفيدين قبل الفقير.
وإذا أعطينا الفقير طعامًا ولباسًا ولم نبشّره بمحبة الله، نكون قد أغنيناه ماديًّا لكن لم نملأ قلبه. من هنا، أحبّ أن أذكّر بما كان يقوله لراهبات المحبة: مع كلّ ملعقة شوربة تقدّمونها للفقير، قولوا له كلمة طيّبة، أخبروه عن حب الله. كانت دعوتهم المباشرة هي الخدمة. أمّا نحن الكهنة، فدعوتنا أن نعظ الفقراء. ومع ذلك، يقول لنا مار منصور: قبل أن تعظوهم أطعِموهم، لأنّه إذا كانت معدتهم فارغة فلن يسمعوا لكم. المساعدة تهيّئ الطريق للكلمة، والكلمة بدورها تُغذّي المساعدة. والمساعدة تصبح وسيلةً لكي يتبشَّر الإنسان. وعندما يتبشَّر الواحد، يبدأ هو أيضًا بمساعدة غيره. أنا أحبّ هذه الصورة كثيرًا، وأشعر أنّ مار منصور هو اليوم بالنسبة لي وبالنسبة لكم، فرصة لقلوبنا في قلب ضوضاء هذا العالم، وفي وسط هذا المجتمع الذي يغرق أكثر فأكثر في الكذب والاحتيال.
وأشعر، إخوتي، أنّنا مقبلون على مرحلة ستكون فيها الأكاذيب أكثر من أيّ وقت مضى. وتعرفون من أين سيأتي هذا الكذب؟ من الذكاء الاصطناعي. هذه أوّل مرّة أقول هذه الفكرة: الذكاء الاصطناعي يُدخلنا إلى عالمٍ قد يكون مليئًا بالكذب. اليوم، يمكن للإنسان أن يكتب بحثًا أو يُنجز عملًا بواسطة الذكاء الاصطناعي ويقدّمه وكأنّه من صنع يديه — أليس هذا كذبًا؟ واليوم يمكن تركيب أخبار ملفّقة أو حتى فيديوهات تُشوّه سمعة أشخاص وتظهرهم وكأنّهم أشرار، وكلّ ذلك بفضل الذكاء الاصطناعي.
لكن في الوقت نفسه، الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُدخلنا عصرًا ذهبيًّا إذا استعملناه في الخير، كما هو حال كلّ شيء حين يُستخدم للمحبّة. أمّا إن استُعمل للشرّ، فسيُغرقنا في عالم الوهم والكذب. والوهم والكذب هما الموت.
فلنكن نحن من يقرّر اليوم أن يفتح قلبه لمحبة الله، فنصير علاماتٍ حيّةً لمحبته في هذا العالم.
كل عيدٍ وأنتم بخير.
