باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
تأثّرتُ، إخوتي، بالقراءة الثانية التي سمعناها، وهي من رسالة مار بطرس، بجملة يقولها، وكأنّها هي التي تميّز المسيحيين. يقول:
«كونوا دائمًا مستعدّين لأن تردّوا على من يطلب منكم دليلَ الرجاء الذي فيكم.»
مار بطرس يتكلّم مع المسيحيين المضطهَدين، يتكلّم مع المسيحيين الذين يمرّون بالمشاكل، يتكلّم مع المسيحيين في زمن كانوا فيه الأقليّة، يتكلّم مع أشخاص لديهم مشاكل في حياتهم، ويقول لهم: العلامة الفارقة للمسيحي، العلامة الفارقة لتلميذ يسوع، هي الرجاء.
«كونوا مستعدّين لكي تجيبوا مَن يسألكم ويقول لكم: من أين تأتون بهذا الرجاء؟»
وكأنّ مار بطرس يقول لنا، وكأنّ القراءة تقول لنا: إنّ المسيحيين، منذ القديم إلى اليوم، إذا كان هناك شيء يميّزهم، فهو الرجاء.
كانوا، عندما يرمونهم للأسود، يصلّون ويسبّحون الربّ.
كانوا، في قلب المشاكل، وجوههم مضيئة.
وكان حين تحصل المشاكل، حتى في لبنان، يقولون: «بين الخراب تُعمَّر ضيعة مسيحيّة»، لأنّهم أهل الرجاء، لأنّ ميزة المسيحي هو الرجاء.
لذلك، في وقتٍ من الأوقات، نظر نيتشه، الفيلسوف الملحد، إلى المسيحيين، وقال لهم: «على أساس أنّ مسيحكم قام، لماذا وجوهكم معتمة؟»
وكأنّ العلامة الفارقة للمسيحي هي الرجاء.
واليوم، من المهم أيضًا أن يسأل كلّ واحد نفسه:
هل هذا الأمر موجود في قلبي؟
هل مار بطرس اليوم يكلّمني عن رجاء يسكن قلبي؟ أم أنّ هذا الرجاء غير موجود في داخلي؟
وما هو الرجاء، إخوتي؟
طبعًا، الرجاء ليس أن يبني الإنسان حياته على أوهام لا أساس لها، أو على وعود وهميّة، أو انتصارات وهميّة. وليس الرجاء أيضًا أن يبني الإنسان حياته على عبارة: «خلاص، سوف يمشي الحال»، أو أن يضع رجاءه في قوّته الشخصيّة.
لأنّه، في الحالتين، عاجلًا أم آجلًا، سيدخل إلى الموت، وسيدخل إلى اليأس.
وكلّ مرّة نبني حياتنا على أمور لا أساس لها، نجد أنفسنا في النهاية مصطدمين بالحائط، ونجد أنفسنا غير مرتاحين.
وكلّ مرّة نبني حياتنا على قوّتنا الشخصيّة، ونقول: «غدًا سوف يمشي الحال، وأنا سأصبح أفضل، وسأتّخذ قرارًا في حياتي بأنّ الأمور ستنجح، وبقوّتي سأنتصر، وبقوّتي سأكون سعيدًا، وسأجلب السعادة إلى قلبي»، نجد أنفسنا، بعد الخبرة، أمام اليأس يدخل إلى حياتنا، والحزن يدخل إلى قلوبنا.
أمّا الرجاء الحقيقي، فهو أن يبني الإنسان حياته على حقيقةٍ ثابتة، لا تتغيّر، بالرغم من تغيّر كلّ الظروف: الحروب، المجاعات، المشاكل، الخطايا، وكلّ المصاعب الممكنة في حياتنا.
لكنّ الرجاء هو أن يبني الإنسان حياته على حقيقة ثابتة، ونحن نؤمن بها.
وهذه الحقيقة الثابتة هي: حبّ الله الذي انسكب في قلوبنا بيسوع المسيح، وأنّ لنا أبًا يحبّنا.
هذا هو الرجاء المسيحي.
تلاميذه، ماذا كانوا يعيشون؟
كانوا يعيشون أنّ الأمل الذي بنوا حياتهم عليه يتكسّر أمامهم.
وفي تلك اللحظة، قال يسوع كلمةً مهمّة جدًا، لتلاميذه ولكلّ واحدٍ منّا:
«لن أترككم يتامى.»
لأنّ كلّ شيء في هذه الحياة، إخوتي، كلّ شيء في هذه الحياة، يستعمله الشيطان ليقول لك:
أنت يتيم.
ليس لديك أب.
ليس لديك حماية.
ليس هناك أحد يسندك.
ليس هناك مَن يقوّيك.
أنت ضعيف.
ليست لديك قوّة.
ليست لديك دعامة.
ويسوع فهم هذه الحقيقة.
وربّما، إخوتي، أنا أتأمّل دائمًا أنّ يسوع، أين شاركنا هذا الأمر أكثر من أيّ مكان آخر، وأين فهم أنّنا نمرّ بهذه الخبرات، وأحسّ معنا، لذلك يَعِدُنا اليوم بوعدٍ تحقّق قبلاً في حياته، ليقول لنا إنّه سيتحقّق أيضًا في حياتنا.
يسوع، على الصليب، وفي لحظةٍ لا يمكننا الهروب من معناها، أحسّ نفسه يتيمًا عندما قال:
«إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»
يا أبي، أين أنت؟
أشعر أنّني بلا أب.
أشعر أنّني بلا حماية.
أين أنت يا أبي؟
واليوم، إخوتي، مع كلّ شخصٍ ربّما يمرّ بهذه الخبرة، يسوع يقول لكلّ واحدٍ منّا:
كما أنّ أبي لم يتركني في مثوى الأموات يتيمًا، أنا أيضًا لن أتركك يتيمًا.
لن أتركك تمرّ بهذه الخبرة.
لن أتركك تمرّ بخبرة أنّك مطروح ومتروك، وليس هناك أحد إلى جانبك.
لن أتركك تمرّ بذلك المكان الذي تشعر فيه أنّك شخص لا يلتفت إليه أحد، منسيًّا في هذه الدنيا.
«لن أترككم يتامى، بل سأرسل إليكم روح الحق.»
سأرسل إليكم الروح.
روح الحقّ… ماذا يفعل؟
يقول مار بولس: إنّه الروح الذي يجعلنا نرى الحقيقة.
المؤيِّد… الذي يدافع عنكم.
وهذا الروح، ماذا يقول عنه مار بولس؟
إنّه الروح الذي يجعلنا نصرخ:
«أبّا، يا أبتِ!»
أنت هنا.
أنا لست خائفًا.
إذا كنتَ معي، فأنا لا أخاف.
إنّه الروح الذي يجعلنا نتأكّد أنّه، مهما اشتدّت الظروف، فلدينا أبٌ أقوى بكثير.
واليوم، إخوتي، بينما كنت أُحضّر القراءات والإنجيل، تذكّرتُ أمرًا حصل معي وأنا صغير، وللمرّة الأولى أعود لأتذكّره.
كان عمري خمس سنوات. كنّا في زمن الحرب اللبنانية؛ في الحقيقة، من طفولتنا تقريبًا وكلّ الوقت كان حربًا.
كان عمري خمس سنوات، وكنّا في المدرسة، واشتدت الأوضاع.
فخاف الأولاد، وبدأوا يبكون.
وأنا خفت كثيرًا.
فجاءت المعلّمة وقالت لي:
«اتّصل والدك، ويقول إنّه آتٍ ليأخذك.»
هذه الكلمة جعلتني أقف على الكرسي.
والدي، رحمه الله، كان يخبرني ويقول لي:
«كنتُ قد وصلت، فوجدتك واقفًا على الكرسي، وتقول لكلّ التلاميذ: لا تخافوا… سوف تمشي الأمور بخير.»
لماذا قلتُ لهم هذه الكلمة؟
لأنّني كنتُ متأكّدًا أنّ أبي آتٍ.
فالولد الصغير، مهما حصل حوله، إذا أمسك أبوه بيده لا يخاف.
إذا كان أبوه وأمّه معه، لا يخاف.
إذا كان أبوه حاضرًا في حياته… إذا كان يعرف، حتّى لو قال له أحدهم: «أبوك آتٍ»، يصدّق، ولا يعود يخاف.
واليوم، إخوتي، هذه الكلمة تقول لك، وتقول لكِ، وتقول لي، وتقول لكلّ واحدٍ منّا، لأنّنا جميعًا نمرّ بهذه الخبرة.
مَن يمرّ بخبرة:
«أنا تُرِكت.»
«أبي تركني.»
«أبي ليس إلى جانبي.»
هذه الكلمة تعود فتذكّرك، وتذكّركِ، وتذكّرنا أنّ لنا أبًا، بيسوع المسيح.
نحن لنا أبٌ يحبّنا، ويدافع عنّا، ومهما اشتدّت الظروف في حياتنا، فهو أقوى منها، وقادر أن يعطي السلام لقلوبنا، والرجاء، وأن يجعل وجوهنا مضيئة، في قلب أقسى الظروف المظلمة في هذه الحياة.
فلنَعِش، أنا وأنتم، إخوتي، اليوم، هذه الخبرة.
خبرة يسوع المسيح إلهنا، الذي على الصليب، حين قال:
«إلهي، لماذا تركتني؟»
قال أيضًا:
«بين يديك أستودع روحي.»
واختبر القيامة.
فلنَدَع نحن أيضًا، في كلّ مرّة نشعر فيها، ربّما، أنّ الله غير موجود، أو نشعر فيها أنّنا متروكون، مطروحون، ومكبوبون في هذه الدنيا، أن يرنّ صدى هذه الكلمة في قلوبنا.
لنسمع يسوع يقول لكلّ واحدٍ منّا:
«لن أتركك يتيمًا.»
«لن أتركك يتيمة.»
سأعطيك روحي.
سأعطيك الروح القدس، الذي يذكّرك دائمًا، في أكثر مكانٍ أنت فيه غير مرتاح، في أكثر مكانٍ تشعر فيه بالموت، أنّ لديك أبًا… أنّ لديك أبًا يحبّك إلى هذا الحدّ.
إلى هذا الحدّ يحبّك.
ومثلما يسوع، عند العماد، في مياه الأردن، وهو يعتمد، سمع هذه الكلمة:
«أنت ابني الحبيب الذي به سُررت.»
ماذا سنفعل الآن؟
سنأخذ وقتًا قصيرًا نتأمّل فيه بهذه الكلمة.
وبعدها، ونحن نغتسل بمياه لورد، سنتذكّر هذه الكلمة التي قالها الربّ لابنه، والتي يقولها لكلّ واحدٍ منّا من خلاله:
أنت ابني الحبيب.
أنتِ ابنتي الحبيبة.
مهما حصل في هذه الدنيا، لا يمكن أن أتركك، ولا يمكن أن أتخلّى عنكِ، ولا يمكن أن أتخلّى عنكم.
آمين.
