إخوتي وأخواتي، نُكمل اليوم معًا تأمّلنا في هذا السرّ الذي جاء يسوع ليعطينا إيّاه، وهو أن نصير آلهة.
اليوم أريد أن أتأمّل معكم في علاقتنا بالمرض وبالوجع، التي نسمّيها عادةً علاقتنا بالصليب. وربما المشكلة أنّ كلمة «الصليب» صارت عندنا مجرّد شعار. نرى إنسانًا يتعذّب فنقول: «إنه يحمل صليبه»، أليس كذلك؟ نرى إنسانًا يتألّم فنقول: «ما أعظم هذا الصليب الذي عنده!».
وربما، مع الوجع والألم، تعلّمنا أن نقول: «مع آلامك يا يسوع».
إخوتي، ما علاقة الألم بالصليب؟ ما علاقة آلام يسوع بيسوع نفسه؟ والسؤال الكبير: هل الألم يُخلّص؟
نرى إنسانًا يتعذّب فنقول: «إنه يقضي مطهره على الأرض». ماذا يعني هذا؟ هل يعقل أن الله يعطينا المرض ويُعذّبنا لكي نقضي مطهرنا هنا؟ هل يعني أنه، في النهاية، سواء هنا أو هناك، لا بدّ أن نتعذّب؟
لقد وصلنا إلى مرحلة أنّ بعض الجماعات المسيحية ولدت هذه الفكرة: أننا نخلص بالألم، وأنه يجب أن نتعذّب لنربح السماء، وكأننا ندفع ثمن السعادة الأبدية. وصار أيضًا أنّه إذا مات أحبّاؤنا ولم يصلوا بعد إلى السماء، فنحن نساعدهم بأن نتألّم عنهم.
أقول لكم بصراحة: كل هذه الصور تُخيفني.
تعرفون لماذا؟ لأنها تُصوّر لنا إلهًا ديكتاتورًا، جلّادًا، ظالمًا، لا يعطي شيئًا إلا ليأخذ مقابله، بل يغار منا! كم من الناس يقولون: «الله ينجّينا، اليوم ضحكنا كثيرًا، ماذا سيحدث لاحقًا؟» كأنّ الله إذا رآنا فرحين يغار، فيسعى إلى أن يُنقص فرحنا!
إخوتي، هذا الإله لا يشبه يسوع المسيح.
والآن سنرى ماذا يعني أننا نخلص بالألم. أقول لكم أمرًا واضحًا: الألم بحدّ ذاته ليس نعمة، ولا قيمة له في ذاته. الألم لعنة، والوجع شرّ. والكنيسة تعلّمنا أننا مدعوّون إلى محاربة الألم.
إذا رأينا مريضًا يتألّم ولم نحاول أن نخفّف عنه، فنحن نرتكب خطيئة. أليس كذلك؟ في المستشفيات، لا نقبل أن نترك إنسانًا يتألّم. وأنا شخصيًا، عندما كانت أمي في أيامها الأخيرة، وكانت تعاني من المرض، رأيتها في يومها الأخير تتألّم كثيرًا. فقلت للممرّضين: «لا يمكن أن نتركها هكذا، لا أستطيع أن أراها تتألّم». ليس فقط لأنها أمي، بل لأن أي إنسان لا يجوز أن نتركه يتألّم.
إذا كنا نحن مدعوّين إلى محاربة الألم، فهل يُعقل أن يكون الله هو مصدر الألم؟ هذا لا يستقيم.
والدليل أنّ كثيرين، في الألم، يكفرون. والألم ليس دائمًا طريقًا إلى الصبر، ولا دائمًا طريقًا إلى الخير. أحيانًا يقسّي القلب، وأحيانًا يولّد تذمّرًا على الله، وأحيانًا يخلق عتابًا، بل وقد يولّد خطايا.
فالإنسان المجروح يُؤذي، والذي في داخله ألم قد يؤذي الآخرين.
إذًا، ما هو الألم؟ لماذا تألّم يسوع؟ ماذا تعني عبارة «مع آلامك يا يسوع»؟ وماذا يعني أن تطلب القديسة رفقة الألم؟ ما سرّ هذا الألم؟
نريد أن نسأله.
والجميل، يا إخوتي، أنّ الجواب يأتينا من الإنجيل:
ليس كل ألم صليبًا.
ليس كل ألم يُخلّص أو يفيد.
ليس الألم بحدّ ذاته هو الذي يعطينا الحياة.
وإلا نصبح ديانة مرضى نفسيين.
لكن يسوع جاء إلى الأرض…
اسمعوني جيّدًا: يسوع لم يأتِ لكي يُنهي الألم، ولا لكي يُخلِّصنا من خلال الألم، بل جاء ليُخلِّص الإنسان في الألم. وهنا يكمن السرّ، يا إخوتي.
ما معنى أن أحمل صليبي؟ وما معنى أن يسوع حمل صليبه؟
صليب يسوع ليس الأوجاع التي حملها، بل هو الحبّ الذي عاشه عندما تعرّض للألم وللوجع، وعندما صلبه الناس.
البابا بندكتس السادس عشر، في درب الصليب في إسبانيا، قال للشبيبة:
«ليس الصليب هو الذي يخلّصنا، بل الحبّ الذي مات على الصليب من أجلنا هو الذي يعطينا الخلاص».
إذًا، يا إخوتي، هذا أمر أساسي: يسوع لم يأتِ ليتألّم لكي نتألّم نحن. لم يأتِ ليقول لنا: «تألّموا لتصلوا إلى السماء». أبدًا، هذا ليس من إيماننا المسيحي.
يسوع، لأنه رآنا نتألّم — ولأن الحياة فيها ألم، وطالما نحن في الجسد فنحن نتألّم — نعم، إذا أصاب الإنسان جرح صغير يتوجّع، وجسدنا مهيّأ للألم، وهذه تركيبتنا البشرية، لا لأن الله يريد لنا الألم — بل لأن هذه طبيعتنا.
لكن الله، عندما رأى أننا في الألم نضيّع الفرح والسلام في قلوبنا، جاء ليعطينا الفرح في الألم.
فماذا تعني عبارة «مع آلامك يا يسوع»؟
تعني: يا يسوع، أعطني أن أجد الفرح في الألم كما أنت تريد أن تعطيني إيّاه.
وهنا أريد أن أشارككم أمرًا شخصيًا: لا أعرف إن كنت قد ذكرته سابقًا، لكنه قريب جدًا إلى قلبي. أنا أحبّ القديسة رفقة منذ صغري، ولدي علاقة روحية بها. لكن كانت لديّ مشكلة: طلبها للألم كان أمرًا لا أفهمه. لماذا يطلب إنسان أن يتألّم؟
أتذكّر أنه في سنة 2000 تقريبًا، كنت في أيطو، وتعرّفت إلى راهبة من راهبات القديسة رفقة، من اللواتي عشن في محيطها. ومن خلال حديثي معها، فهمت القصة.
قالت لي جملة بسيطة، لكنها أعادت إلى ذهني ما كنت أسمعه في حصرون وأنا صغير:
كلما تألّم الإنسان، كانوا يقولون: «يسوع جاء ليزورني». «هذا افتقاد من الله»، «هذه زيارة من الله».
وهنا لمعت في ذهني فكرة: ماذا يعني أن الله يزورنا في الألم؟
أكيد لا يعني أن الله يرسل لي الألم لكي يزورني.
بل يعني أنّ الله، عندما يراني في الألم، يأتي…
يأتي ليعمل شيئًا.
وماذا يفعل؟
وهذا مهم جدًا: يأتي ليصنع عجيبة؟
القديسة رفقة لم تطلب الألم لذاته، بل طلبت حضور الله فيه. لم يأتِ الله ليعطيني «مورفين» كي أتألّم بفرح — لا يوجد شيء اسمه ألم بفرح! الألم يبقى ألمًا.
لكن حضور يسوع هو الذي يحوّل الألم إلى فرح.
حضور يسوع!
أريد أن أقول لكم شيئًا، وأعطيكم مثالًا: تخيّلوا أنكم متضايقون، والدنيا مظلمة في وجوهكم، وفجأة يأتي شخص يحبّكم ليزوركم. ماذا يحدث؟
صدقوني، لقد رأيت أشخاصًا كانوا على وشك الموت، مرضى بالسرطان ويتألّمون، ولكن فقط لأنّ أحدًا كان جالسًا بقربهم، يربّت على أيديهم ويمسح على رؤوسهم، كانت الابتسامة كبيرة على وجوههم.
إذا كان وجود صديق، أو أم، أو أخ، يجعل الألم يتحوّل إلى هذا القدر من الفرح، فكم بالحري حضور يسوع؟
إخوتي، هذا أمر مهم جدًا: نحن في الألم نلتقي بوجهه. لأن هناك سرًّا أريد أن أخبركم به: عندما تكون أحوالنا جيدة، وكل شيء يسير على ما يرام، وصحتنا جيدة، وأموالنا متوفّرة، وأولادنا بخير، لا شيء أسهل من أن ننظر إلى الله ونقول له: «نحبّك يا رب، ونسبّحك، وأنت إله عظيم». أليس كذلك؟
لكن البطولة الحقيقية هي أن ترى حبّ الله في الألم، وأن تشعر بحبّه وأنت تتألّم، وأن ترى نور وجه يسوع عندما تنطفئ أنوار هذا العالم، وتشعر أنك في وسط الظلمة.
القديسة رفقا، عندما طلبت الألم، لم تكن تطلب الألم بحد ذاته، بل كانت تطلب أن ترى وجه يسوع الحقيقي، الذي يحوّل الألم إلى فرح، والذي يداوي الألم، والذي يعطيه معنى.
لأننا، عندما نتألّم ولا نجد معنى للألم، يتحوّل هذا الألم في داخلنا إلى جروح نفسية. وهذه الجروح النفسية هي التي تجعلنا نصير عنيفين مع الآخرين. أليس كذلك؟
الذي عاش الفقر في صغره ولم يُشفَ منه، قد يرى كل إنسان يأخذ منه شيئًا عدوًا له. والذي انكسرت صورته في طفولته، كل من يقول له: «أنت مخطئ»، يريد أن يسحقه. لماذا؟ لأن القلب المجروح غير المداوى بالحب يصبح قلبًا عنيفًا.
القاتل يقتل، والمسرُوق يسرق، والمعنَّف يُعنِّف، والمغتصِب يغتصب… إلا إذا التقى هذا القلب بالحب يومًا.
إخوتي، أريد أن أتأمّل معكم في يسوع على الصليب. من اليوم نبدأ أن نسير معه. أمام الوجع والألم، يسوع إنتفض وقال: «يا أبتِ، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس».
وهذا يعلّمنا أن يسوع لم يكن مازوشيًا، لم يكن يحب الألم أو الصليب. هل تسمعونني؟ هذا مهم جدًا.
لكنّه قال أيضًا: «لتكن مشيئتك لا مشيئتي».
أي: إذا كان هذا الألم سيصير فرصة لخلاص البشرية، وفرصة ليفتح للإنسان طريقًا ليراك في الألم، فلتكن مشيئتك.
يسوع لم يقبل الألم ليَتألّم. نحن الذين آلمناه.
لو لم نكلّله بالشوك، لما كلّل نفسه.
لو لم نجلده، لما جلد نفسه.
لو لم نُسمّره، لما سمّر نفسه.
لكنه قَبِل أن يُسمَّر، وأن يُجلَد، وأن يُكلَّل بالشوك، لكي يجعل من الألم فرصة لقاء مع وجه الآب السماوي.
وأقول لكم أمرًا مهمًا: يسوع مات متألّمًا، لكنه لم يمت مكسورًا. قال: «يا أبتِ، بين يديك أستودع روحي».
لو كنّا نحن مكانه — خيانة من يهوذا، وإنكار من بطرس، وترك من التلاميذ، وظلم من السلطة، وصراخ الشعب: «اصلبه!» — كيف كنّا سنكون؟ محبطين، مكسورين، غاضبين، ممتلئين مرارة ولعنة…
لكن يسوع قال: «بين يديك أستودع روحي».
ويقول مفسّرو الكتاب إن هذه العبارة في اللغة العبرية تحمل ثلاثة معانٍ:
أن «أستودع روحي» تعني: أموت.
وتعني أيضًا: أرمي نفسي بين يديك، مثل طفل يرمي نفسه بين ذراعي أبيه.
والمعنى الأجمل: أنني أغفو.
في الخارج، حول يسوع، كان كل شيء مدمّرًا، لكن قلبه كان كطفل يغفو بين ذراعي أبيه. والطفل، مهما كانت الضوضاء حوله، إذا كان بين ذراعي أبيه، يغفو بسلام.
وهكذا، المسيحي هو الذي يرى وجه الحب، مثل يسوع ومع يسوع، حتى في قلب الألم، ويستطيع أن يغفو بسلام كما غفا يسوع على الصليب.
وهكذا نؤله حياتنا بالألم.
تذكّروا هذه الحقيقة:
الألم مع يسوع مخلَّص ! طريق سلام،
والألم بدون يسوع لعنة وشر وموت.
لذلك، عندما نقول: «مع آلامك يا يسوع»، نعني:
اجعلني أعيش آلامي معك، لكي تصير آلامي مُخلّصة، وأستطيع من خلالها أن أرى نور وجهك، ويدخل السلام إلى قلبي.
دعونا نأخذ دقيقة صمت، ونتأمّل في هذه الكلمة.
ليسأل كل واحد منّا نفسه:
أين أنا اليوم في ألمي؟ جسديًا أو نفسيًا؟
أين أنا اليوم؟
لكي أستطيع أن أصرخ إلى يسوع وأقول له:
في هذا الألم، تعال… أنا بحاجة إليك.
