عظة الأب إيلي شمعون – ٢٢ آذار ٢٠٢٦

تفضّلوا إخوتي،

كلمة الرب اليوم هي كلمة تأتي لتتحدّث عن عمى حقيقي. ربما ما رأيناه اليوم في القراءة هو العمى الذي نراه في الظاهر، الذي إذا رأيناه نقول: هذا أعمى لا يُبصر. لكن العمى الذي، في الحقيقة، لا يجعل حياتنا تُبصر هو عمى في موضع آخر.

وإذا نظرتم إلى الرسالة التي سمعناها لبولس، يقول لهم: جئتُ لأهدم الحصون المنيعة، جئتُ لأكسر الأفكار الخاطئة، جئتُ لأحطّم كل شموخ وكل كبرياء ضد معرفة الله، جئتُ لأكسر كل فكرٍ ضد طاعة يسوع. وإذا تأمّلتم، من الذي يعيش كل هذا اليوم؟ الإنسان.

هذا هو العمل الحقيقي الذي نراه اليوم في العالم: عمى يبني حصونًا، يصنع لنفسه مناعة، يقيم سياجًا حول حياته. عمى لا يعرف الله، وممتلئ بالكبرياء والأفكار الخاطئة. ألسنا نسمع هذا يوميًا؟ وما هي مشكلة هذا العالم؟ أنه لا يريد أن يطيع، لا يريد أن يكون بحسب رغبة الله، لا بحسب مشيئة الله.

وفي القراءة الأولى، سمعنا في أشعيا: “أنا آتٍ لأعطي العميان بصرًا، لأجعلهم يُضيئون”. إخوتي، هذه العتمة هي عتمة قلبي، عتمة قلب الإنسان. الإنسان الذي يعيش في هذه العتمة يصنع الحروب، يعيش الطمع، يخون. والرجل يخون زوجته، والمرأة تبحث عن العاطفة خارج بيتها. لماذا يخطئ الإنسان؟ لأن قلبه أعمى، لأنه في داخله لا يصدّق أن هناك من يستطيع أن يشفيه، أن يأتي ويُضيء حياته، أن يجعله نورًا للأمم.

لكن المشكلة الكبيرة التي تواجهنا ونحن نسمع هذه الكلمة هي أننا نقول: “يا رب، هذا الكلام جميل، لكنه صعب. جرّبنا ولم ينجح”. والحمد لله أننا جرّبنا ولم ينجح، لأننا نكتشف أن بحسب حساباتنا وخبرتنا، الأمور لا تسير. نعم، الطريق ملتوية وصعبة ووعرة، لكن أمام خوفك ومحدوديتك، الله يأتي ليصنع عملاً عظيمًا، أنت وحدك لا تستطيع أن تصنعه.

انتبهوا جيدًا، إخوتي: أحيانًا ننزلق إلى فكرة أننا، لأننا لا نقدر، فالله سيعمل وحده. لكن الإنجيل يبيّن لنا أن الله لا يعمل وحده. وسأقول كلمة قد تبدو صادمة: الله “لا يستطيع” أن يعمل وحده. ليس لأنه ضعيف، ولا لأن فيه محدودية، بل لأن طبيعته هي علاقة، طبيعته هي محبة. والله لا يعمل بعكس طبيعته، فلا يخلّص الإنسان بدون علاقة معه.

لهذا، نراه في الإنجيل يقترب من أعمى ويسأله: “ماذا تريد؟” أليس واضحًا أنه أعمى؟ ألم يكن يكفي أن يراه ويساعده؟ لكن الله لا يعمل بدون قلب الإنسان. قلب الإنسان، لكي يدخل في مشروع الخلاص، يجب أن يريد.

الله قادر على كل شيء، إلا على أمر واحد: أن يفرض نفسه على قلبي. لا يعمل ضد حريتي، لا يعمل غصبًا عني.

وفي هذا الموضع، ماذا كان يمكن أن يطلب الأعمى؟ كان يمكن أن يطلب مالًا، أو صحة، أو وضعًا أفضل، أو مكانًا يمر فيه الناس أكثر ليكسب أكثر. لكن انظروا كيف أن ما نطلبه من الله أحيانًا يكون على قياس عتمة قلبنا وتسوّلنا، على قياس ما اعتدنا عليه، فتكون انتظاراتنا منخفضة: “يا رب، دعني فقط أُكمل هذه الأيام، دعني أجد من يساعدني، من يؤمّن لي المال، من يُنهي الحرب، من يفتح لي باب سفر، من يؤمّن عملاً”.

كل هذا تسوّل! إنسان أعمى جالس على جانب الطريق ينتظر من يحنّ عليه.

لكن ماذا فعل يسوع مع هذا الأعمى؟ أدخله في لقاء. لقاء جعله يكتشف ما لا يستطيع أحد أن يعطيه. قال له: “ستبصر”. وهذا اللقاء كانت نتيجته: إيمان.

وما هو الإيمان؟ ليس أن تصدّق بشكل أعمى، ولا أن تقول فقط “أنا مسيحي” وعندي وجود. المؤمن الحقيقي هو الذي يصدّق أن يسوع يأتي ليلاقيه في أعماله، ويعطيه البصر. هو الذي يصدّق أن يسوع قد يمرّ في أي لحظة من حياته، وإذا لم يدخل في هذا اللقاء، تضيع فرصة حياته.

وأين تحصل هذه الفرصة؟ على الطريق، في وسط العمى، في لحظة الحاجة والتسوّل.

لهذا، إخوتي، هذه كلمة كبيرة لنا اليوم: أن أنظر وأرى أين أنا، على أي جانب من الطريق أجلس، في أي هامش أعيش، وأقول: “العالم نسيني، أهلي نسوني، أولادي نسوني”. لكن في وسط هذا الألم، هناك لقاء. يسوع يمرّ وينتظر أن يصرخ قلبي: “انظر إليّ، أريد أن ألتقي بك، أريدك في حياتي أكثر من أي شيء آخر”.

أمام كل ما أطلبه، لا شيء يساوي هذا اللقاء.

لهذا، إخوتي، أمام خوفنا وأمام شعورنا بالعجز، لا نقول إن المشروع كبير لأننا غير قادرين، بل نرى أن هناك فرصة: يسوع يأتي ليلاقي رغبة قلب الإنسان مع محبة الله.

مشروع الخلاص هو لقاء: محبة الله التي تبادر، وقلب الإنسان الذي يقبل وينفتح. هو لقاء رغبة الله مع رغبة قاب الانسان.

نحن في عيني الله كبار. فلنؤمن أن الرب قادر أن يجعل منا مشروع حب عظيم، مهما كان عمى حياتنا، مهما كان فقرنا، مهما كان ضعفنا. هو قادر أن يجعل منا نورًا للأمم، شمعة في هذا العالم المظلم، تذوب لتعطي نور يسوع، في هذه الظلمة التي نعيشها، 

أدعوكم أن نأخذ لحظة، نضع فيها قلوبنا المعتمة وحياتنا العمياء أمامه، لكي يكون هناك لقاء حقيقي.

يسوع يمرّ. فلنغتنم الفرصة، ولنقل له: تعال وخلّصنا.

فلنأخذ دقيقة، ثم نتابع قداسنا.