عظة الأب شربل نادر – ١٥ شباط ٢٠٢٦

الله معكم، إخوتي، 

أتأمّل وإيّاكم في قراءات اليوم، أيضًا على ضوء السؤال الذي طرحه الشبيبة في البداية.

حياتنا كلّها مبنيّة على قرارات نتّخذها، وهذه القرارات لكلّ واحد منها تداعيات على حياتنا. وربما إذا ندم الإنسان في موضع ما من حياته، فإنّه يندم على قرارات اتّخذها ولم يكن ينبغي أن يتّخذها، ويندم أيضًا على قرارات كان يجب أن يتّخذها ولم يتّخذها.

لكن يبقى سؤال مهمّ جدًّا، وقد طرحه الشبيبة أيضًا:

إذا قرّرتُ أن أكون مع الله، هل هذا القرار يحرمني من أشياء؟ هل يأخذ منّي فرحًا معيّنًا أو أمرًا أملكه ويريد الربّ أن ينتزعه منّي؟

إذا كانت قراراتي تتمحور حول إيماني بالربّ يسوع، فهل تجرّدني من أشياء أم لا؟ هل الإيمان جاء ليأخذ منّي شيئًا؟

وكيف أتّخذ قراراتي اليوم في حياتي؟ على أيّ مبدأ؟ ما هو المعيار؟ ما هي الأسس التي أريد أن أبني عليها قراراتي؟

إخوتي، رأينا هذا الإنجيل وسمعنا القراءات. وقد أحببت كثيرًا القراءة الأولى، حين يصرخ يشوع في سفره طالبًا الصدق والشفافيّة، أن نكون حقيقيّين. هذه النقطة مهمّة جدًّا، وسأعود إليها.

في الإنجيل نرى الربّ يسوع يحذّر من الشريعة. ما هي الشريعة؟

عندما نتكلّم عن الشريعة، نتكلّم عن العهد القديم كلّه، عن التوراة وسائر الكتب. إنّها، إن شئتم، مجموعة قوانين على اليهوديّ أن يتبعها ليكون من ورثة الخلاص وملكوت الله.

يسوع يقول: «ما جئتُ لأبطل الشريعة، بل لأكمّل».

الشريعة مهمّة، لأنّها نقطة بداية جيّدة، لكنّها وحدها لا تكفي. الشريعة وحدها لا تجعل الإنسان بارًّا، ولا تمنحه روح الله. إنّها تساعد في بداية الطريق، وهي جزء من الإيمان المسيحي، لكن يمكن أن تكون أيضًا خدعة كبيرة.

يسوع لم يأتِ لينقض، بل ليكمّل.

فما الذي أضافه يسوع إلى الشريعة؟ ولماذا يمكن أن تكون الشريعة سيفًا ذا حدّين: تساعدنا، لكن في الوقت عينه قد تصبح فخًّا وأداة نخدع بها أنفسنا والآخرين وحتى الله؟

الشريعة تقول: «لا تقتل، لا تزنِ».

تقول: لا تفعل هذا، لا تفعل ذاك. إن فعلتَ، فهذه خطيئة. هي سلسلة موانع: أشياء لا ينبغي للمؤمن أن يفعلها.

وكم مرّة نقول: أنا لا أزني، ولا أسرق، ولا أقتل، وآتي كلّ أحد إلى الكنيسة.

لكن هذا بحدّ ذاته قد يكون فخًّا.

المسيحي لا يُختصر بأنّه لا يزني ولا يقتل ولا يسرق. هذا لا يكفي. وهذا ما جاء يسوع ليضيفه.

الشريعة تنظّم السلوك، لكنّها لا تدخل إلى العمق.

قد أقول لجاري كلّ يوم: «صباح الخير».

لكن كم في هذه الكلمة من كذب؟ كم فيها من برودة؟ كم فيها من غياب للمحبّة؟

لم أقل يومًا كلمة سيّئة، لكن هل هذه التحيّة تعكس حقيقة قلبي؟

يسوع يقول إنّ الزنى ليس فقط في الفعل، بل في النيّة أيضًا.

ليس فقط أن تخون بالفعل، بل حتّى إن اشتهيت في قلبك. لأنّ الله يقرأ القلوب، يعرف نوايانا، يعرف القرار الذي سنأخذه قبل أن نأخذه.

لا يمكننا أن نخدع الله.

الفريسيّون والكتبة كانوا ينفّذون الشريعة حرفيًّا. لم يقتلوا ولم يزنوا، لكن هل كان قلبهم محبًّا؟

هل كانوا يشبهون روح المسيح؟

لم يكن فيهم عمق المحبّة. كانوا يحاكمون ويدينون ويبحثون عن خطأ ليوقعوا يسوع فيه.

إذًا، نحن بحاجة إلى قرارات في حياتنا. والحياة المسيحيّة ليست فقط سلسلة «لا تفعل».

هناك أفعال ينبغي أن أفعلها، هناك خير يجب أن أحقّقه.

والفعل يخيف، والقرار يخيف. لأنّ الذي لا يفعل لا يخطئ، أمّا الذي يفعل فقد يخطئ. لذلك أحيانًا نفضّل الامتناع بدل المغامرة.

لكن كيف نتّخذ القرار كمسيحيّين؟

أرى في هذه القراءات ثلاث نقاط أساسيّة تساعدنا.

أوّلًا: هل أنا حرّ؟

الحرّيّة أساس كلّ شيء.

إن لم أكن حرًّا، فلستُ مسؤولًا.

الله خلقنا أحرارًا، وأعطانا أصعب هديّة: الحرّيّة. بها يمكن أن نصير قدّيسين، وبها يمكن أن نصير من أكبر الأشرار.

هل قراري حرّ؟

هل يحرّرني أم يقيّدني؟

هل هو صادق أم فيه كذب؟

ثانيًا: هل أنا صادق؟

الله يقدّس الحقيقة.

حتّى لو كان القرار خاطئًا، لكنّي صادق وحرّ، يستطيع الله أن يعمل فيّ.

أمّا الكاذب، الذي يفعل شيئًا ويقنع نفسه بعكسه، فلا يترك مجالًا لله أن يعمل فيه.

أن أقول: يا ربّ، أنا هكذا، ضعيف، خاطئ، ساعدني.

الله لا يملّ منّا. لكن حين أكذب وأتظاهر، أمنع نعمته.

ثالثًا: هل في قراري محبّة؟

هل يساعدني هذا القرار أن أحبّ أكثر؟

هل ينبع من محبّة؟

هذه الأسئلة الثلاثة—الحرّيّة، الصدق، المحبّة—هي معايير تساعدنا لنكون بأمان روحيّ، حتّى لو لم تكن قراراتنا كاملة مئة بالمئة.

الله يعمل في الإنسان الحرّ الصادق الذي يحاول أن يحبّ.

فلنأخذ لحظة صمت، ونسأل أنفسنا:

هل أنا أضحك على نفسي وعلى الله؟

أم أريد أن أقف أمامه بحرّيّة وصدق؟

يا ربّ، أنت تعرف قلبي ونواياي.

أريد أن أضع قراراتي كلّها أمامك، حتّى تشفي قلبي بمحبتك، وتعلّمني أن أختار ما يشبهك.