عظة الأب رمزي جريج – ١١ شباط ٢٠٢٦

إخوتي، ونحن نعيّد اليوم عيد سيّدة لورد، التي تربطنا بها أخوة روحية، تعطينا الكنيسة هذه القراءات لنتأمّل فيها، ومن خلالها نتغذّى روحيًا. تأمّلي اليوم، أنا وإيّاكم في البداية سيكون لاهوتيًا، فأدعوكم أن تتابعوني، لأننا سنأخذ من هذا التأمّل أمرًا مهمًا جدًا لحياتنا.

كثيرًا ما نسمع، في نصّ خطيئة آدم وحوّاء، بتفسيرات معيّنة، وأحيانًا نسمع عبارة: «الحقّ على حوّاء»، وكأنّ في أذهاننا أنّ المسؤولية تقع على النساء. لكن أقول لكم: آدم وحوّاء هما نحن؛ كلّ واحد فينا هو آدم وهو حوّاء في الوقت عينه. لأننا إذا تأمّلنا نجد أنّ آدم وحوّاء يرمزان إلى بُعدين في الإنسان: عادةً الرجل يميل إلى العقلانية أكثر، والمرأة إلى العاطفة أكثر؛ الرجل أقوى، والمرأة أحنّ؛ الرجل أكثر صلابة وخاصة في القوانين، والمرأة أقرب إلى الحضن والعاطفة.

واليوم نرى أنّ في قلب حياتنا، كما خلقنا الله، هذين البُعدين في علاقتنا بالله أيضًا. فإذا قرأنا النصّ من بدايته نجد أنّ الوصية بعدم الأكل من الشجرة، أي شجرة الانفصال عن الله، لمن أُعطيت؟ أُعطيت لآدم، الذي هو رمز البُعد فينا القادر على الاستيعاب، الجزء الذي يستقبل النعمة. لكن من جهة أخرى، كان على آدم أن ينقل الوصية إلى حوّاء، ومع حوّاء أن تُطبّق. وحوّاء ترمز فينا إلى الحاجة إلى التفاعل مع النعمة. فآدم يستقبل النعمة، وحوّاء تمثّل كلّ إنسان، رجلًا كان أم امرأة، المدعوّ إلى قبول النعمة والتفاعل معها.

أين المشكلة إذًا؟ المشكلة أنّ الإنسان كثيرًا ما يأخذ النعمة ويستهين بها ويرميها، كما فعل آدم وحوّاء. لأننا إذا عدنا إلى النصّ نجد أنّ كليهما أخطأ : حوّاء أكلت إذ سمعت للحية، ثمّ أعطت زوجها فأكل معها. ولو كان آدم واعيًا حقًا، لكان رفض الأكل، وكان قادرًا أن يضبط الموقف.

لكن الجميل، إخوتي، أنّنا عندما نضعف أمام صوت الشرّ، وأمام التجربة، وأمام الشكّ بأنّ الله أب، فإننا لا ننجرّ وحدنا، بل نجرّ معنا كلّ كياننا، بل ونجرّ أيضًا الذين هم متعلّقون بنا نحو الخطيئة.

ماذا حدث في العهد الجديد؟ عندما رأى الله أنّ الإنسان وحده غير قادر على التجاوب مع النعمة، قال: سأرسل للبشرية آدمًا جديدًا، وأعطيها نعمة جديدة، لكي تصير هي حوّاء الجديدة المتفاعلة بقوّة آدم الجديد.

ما الفرق بين آدم الأوّل وآدم الجديد، أي يسوع؟ آدم كان يعرف أنّ الله خلقه، وأنّه جبله، وأنّه اهتمّ به، لكنّه لم يكن يعرف حقًا أنّ الله أب يحبّ مجّانًا. أمام أوّل تجربة، عندما قالت الحيّة إنّ الله يغار منهم ولا يريد لهم أن يكبروا، وأنّهم قادرون أن يصيروا آلهة بدونه، نسي آدم أعمال الله، ونسي محبّته، ونسي من أوجده ومن أعطاه، فانجرّ نحو التجربة.

أمّا يسوع فجاء لا ليذكّرنا فقط بأنّ الله خلقنا واهتمّ بنا، بل ليكشف لنا أنّ الله أب يحبّنا أكثر ممّا نحبّ أنفسنا. صار يسوع صورة النعمة الجديدة، النعمة الكبرى، الخارجة من جوف الله؛ هو الأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس، الوحيد الذي يعرف الآب معرفة كاملة، لأنّه الابن الأزلي الخارج من أحشائه. هو نقل إلينا هذه الحقيقة لتكون نعمة الخلاص في حياتنا.

وهنا يأتي دور حوّاء الجديدة: التفاعل مع هذه النعمة. ومن كان أوّل عضو في هذه الحوّاء الجديدة؟ آباء الكنيسة يسمّون العذراء حوّاء الجديدة، ويسمّون الكنيسة أيضًا حوّاء الجديدة. ما أجمل الشبه بين العذراء والكنيسة! العذراء صورة الكنيسة وأمّها، والكنيسة تتشبّه بالعذراء وتستند إليها. لأنّ العذراء هي أوّل عضو في الكنيسة تعيش القداسة بالطريقة ذاتها التي نتعلّم منها نحن كيف نكون قدّيسين.

عندما بشّرها الملاك بنعمة العهد الجديد، ماذا كان جوابها؟ «أنا أمة الرب، فليكن لي حسب قولك». والرسالة تخبرنا أنّ مشروع الله هو أن يتبنّانا بيسوع المسيح. الله قرّر أن يتبنّانا في يسوع. ماذا يُطلب منّا؟ أن نقبل أن نكون أبناءه، لنصير كاملين بلا عيب، في القداسة، في المحبة.

عندما نقبل حبّ الله، ونتفاعل مع أبوّته، نصير أبناءً، ونصير نشبهه، ونصير كاملين في المحبّة. هذه هي دعوتنا: أن نصل يومًا إلى الكمال في المحبّة. الأمّ تحبّ أولادها، لكن محبتها أحيانًا ليست كاملة؛ الرجل يحبّ زوجته، لكنّ محبّته قد لا تكون كاملة؛ الأخ يحبّ أخاه، لكن المحبّة تبقى ناقصة. يسوع يريد أن تبلغ محبّتنا الكمال، حتى نصل إلى محبّة الأعداء. وأعداؤنا ليسوا بعيدين: زوجتي عندما تعاندني قد تصير عدوّتي، وأخي عندما يتصرّف بأنانية قد يصير عدوّي، وزميلي في العمل عندما يزاحمني قد يصير عدوّي.

كيف نبلغ هذا الكمال في المحبّة؟ بأن نتّكل على آدم الجديد، العريس الجديد، الذي يذكّرنا كلّ يوم أنّ لنا أبًا محبًّا.

ماذا نستخلص؟ قداستنا اليوم ليست مجهودًا بقدر ما هي استقبال. نحن في المسيحية لا نعيش مجهود لنصير قدّيسين، بل نستقبل حبّ الله في يسوع، وهو الذي يحوّلنا إلى قدّيسين. بالمجهود الشخصي قد نصل إلى مرحلة معيّنة، لكننا نسقط سريعًا. أمّا عندما نعيش النعمة، فنتغيّر حقًا.

لذلك، عندما نعيش الخطيئة أو اليأس أو الغضب أو قلّة المحبّة، نذهب إليه لنتعرّف، ونمسك بيد العذراء، ونقول لها: عرّفينا على هذا الحبّ الذي اختبرتِه وحملتِه في قلبك وأحشائك، لأنّه خلاصنا الوحيد، ومخلّصنا الوحيد القادر أن يقدّس حياتنا كلّها.

أطلب منكم الآن دقيقة صمت نتأمّل فيها بهذه الكلمة. واليوم، لأن قدّاسنا هو بعيد سيّدة لورد وباليوم العالمي للمريض، سنفعل كما في قدّاس المرضى: نأتي ونغسل وجوهنا بالماء. ماذا يرمز هذا الماء، ماء مغارتنا المرتبط بماء مغارة لورد؟ يذكّرنا بأنّ يسوع هو الماء الحيّ: «أنا هو الماء الحيّ». فيه نغتسل ونتطهّر.

نغسل عيوننا، لا عيون الجسد فقط، بل عيون القلب. لأنّ آدم أغمض عيني قلبه عن حبّ الله فسقط في الخطيئة. أمّا في يسوع، فالعذراء تعلّمنا كيف تعود عيوننا وتنفتح لنرى حبّ الله.

عندما نقع في الخطيئة، ليس الوقت أن ندخل في عقدة الذنب، بل أن تنفتح عيوننا من جديد لنرى حبّ الله، هذا الحبّ الذي يجعلني أسامح زوجتي وأخي وابني وجاري وأعدائي، ويجعلني أعيش المحبّة الكاملة، محبة بعضنا لبعض.

سنأتي الآن في الصفّ، وكما اعتدنا، نغمس أيدينا في الماء ونغسل وجوهنا، ونحن نقول ليسوع:

«افتح عيون قلبي لأرى محبتك».