اخوتي
اليوم، الكنيسة تعطينا هذه الكلمة لتُرينا يسوع، وما الذي جاء ليقوله لحياتنا. وقد أحببتُ كثيرًا ما سمعناه في القراءة الأولى: ماذا طلب سليمان من الله؟ ماذا سأل؟ وكان، في عين الله، طلبًا عظيمًا، طلبًا عزيزًا على قلبه. قال له:
«أعطني قلبًا مميِّزًا، أعطني قلبًا يميِّز».
ولماذا فرح الله بهذا الطلب؟ قال له: لأنك لم تطلب مالًا، ولم تطلب جاهًا، ولم تطلب عزًّا، بل طلبتَ قلبًا يميِّز.
وتعرفون، نحن اليوم في هذا العالم، إلى ماذا نحن بحاجة؟ نحن بحاجة إلى قلب يميِّز.
وما معنى قلب يميِّز؟
قلب يعرف مشيئة الله، ويعرف أن يكون بحسب مشيئة الله. لأننا اليوم نعيش وسط أصوات كثيرة أضاعتنا: ما هو الصح وما هو الغلط؟ ما الذي يجب أن أفعله، وما الذي لا يُفعل؟ صار كل شيء مسموحًا، ولم نعد نعرف ما هو الصالح وما هو المُدمِّر.
سليمان ماذا طلب من الله؟
قال: «أعطني قلبًا يميِّز بحسب رغبة قلبك».
والجميل أن في الرسالة إلى العبرانيين آية مهمّة جدًا، ربما لم ينتبه إليها البعض. في نهاية هذا المسار، يقول الكاتب شيئًا أساسيًا:
إن الشريعة التي أعطاها الله للإنسان لكي تُظهر له ما هو الصح وما هو الغلط، في ذاتها كان فيها ضعف. قال لهم: هذه الشريعة ضعيفة.
ولماذا جاء يسوع، الكاهن الأوحد؟
لماذا جاء يسوع الذي قدّم ذاته؟ لماذا جاء يسوع الذي أحبّني؟
لكي يقول لي اليوم: هناك رجاء جديد لك.
تعرفون لماذا؟ لأن كثرة الوصايا تكبّر لائحة الاتهام. تكبّر المساحات التي أنا وأنتم، في أماكن كثيرة، لا نكون فيها مطابقين لإرادة الله. تكبّر الأمور التي نقف أمامها بحكم، ويصير هناك عدل، وإذا كان هناك عدل، فهناك تقاصص.
فماذا يقول؟
إنه اليوم جاء هو، الكاهن، الذي يقدّم ذاته، لكي يكون هناك رجاء جديد. وما هو هذا الرجاء الجديد؟
أن أتعلم أن أميّز ما الذي يعطي حياتي معنى، وما الذي يعطي قلبي تمييزًا حقيقيًا.
وفي الإنجيل، جاء يسوع ليسير هذا الطريق مع البشرية. انظروا كم هي جميلة القصة: كان مع أمّه وأبيه، قصة عائلة طبيعية. خرجوا، عادوا مع القافلة، ونسوا ابنهم. نسوا الصبي. وارتفعت الصرخة: أين الصبي؟
تعرفون ماذا يعني أن يكون الأهل في مكان، ويعودوا من دون ابنهم ؟ أين يكون فكركم؟ هل يكونون مرتاحين؟ هل يكونون فرحين؟
أخوتي، تعرفون لماذا هذه الصورة مهمّة؟
لأنها تُظهر لنا أنه في لحظات الأزمات التي نمرّ بها في هذا العالم، وحتى في اللحظات التي نُضيّع فيها ما هو أساسي في حياتنا، وحتى عندما نُضيّع جوهر دعوتنا، وما يجب علينا أن نكونه، الله يلتقينا في مكان آخر.
ما الذي كان الله يريد أن يصنعه معهم في هذا الإنجيل؟
كان يريد أن يُظهر لهم من هو يسوع، ومن هو أبوه.
تعرفون لماذا؟
لأن في الأزمات، حين نضيع، حين نشعر بعدم الأمان، حين نشعر أن هناك أمورًا خطرة في حياتنا تُخيفنا، نبدأ بالتعلّق بضمانات هذا العالم. نتعلّق بأصوات صغيرة نظنّها ضمانات لنا. نتعلّق بأموالنا، بأولادنا، بأهلنا، بأصدقائنا، وبعلاقاتنا، ونفكّر أنها، في لحظة ضيق، قادرة أن تُعطينا مخرجًا أو فرج.
لكن في كثير من الأحيان، ماذا نختبر؟
نختبر خيبة.
كم من مرة ننتظر من شخص، في لحظة ضيق، أن يقف إلى جانبنا، فلا نجده. كم من مرة ننتظر من أولادنا أن يسألوا عنا، ونقول: «أنا أعطيت، أنا تعبت، فكيف لا يكونون اليوم واقفين إلى جانبي؟»
وأخوتي، دعوني أقول لكم أمرًا مهمًا:
الإنسان، بطبيعته، يُخيّب. مهما أعطى، لا يستطيع أن يُشبع قلب إنسان. لا أحد قادر أن يملأ حاجة قلب إنسان.
وهذا أمر مهم جدًا. لماذا؟
لأنه فرصة لكي نكتشف الحقيقة وسط هذه المحدودية التي نعيشها، وسط الخيبات. عندها يبدأ قلبي يميِّز:
من هو الذي أستطيع أن أتكل عليه؟
من هو الذي يستحق أن أبحث عنه؟
من هو الذي يستحق أن ألتقيه؟
وعندها نفهم كلام يسوع حين قال لهم:
«أنا عند أبي. لماذا تبحثون عني؟ لماذا قلقتم؟ ألم تكونوا تعلمون أني يجب أن أكون عند أبي؟»
وهذه هي البشارة لكم جميعًا:
أن تعرف اليوم أين مكانك، وما هو معنى حياتك، وما الذي يستطيع أن يكون فرحًا حقيقيًا لقلبك.
أن تجد نفسك في الذي هو أبوك.
وأن يكون الذي هو أبو يسوع، هو أبوك أنت أيضًا.
يقول لنا يسوع: «ملكوت الله قريب من كل إنسان».
كيف يكون قريبًا؟
حينما أكون، أينما كنت، أكون ملك أبي. حين أعيش هذه البنوة التي يريدها الله لي. لا أن أبقى فقط جالسًا في الكنيسة.
ماذا يريد الله مني؟
يريدني أن أحمل هذه البنوة، وأن أضعها أمام كل إنسان يبحث في هذا العالم عن فرج، عن كلمة رجاء، عن فرح.
ما هي بشارتي؟
لديك أب! ابحث عنه ! اعرف أنك في هذا العالم، مع هذا الأب، تستطيع أن تكتشف ماذا يعني أن تنمو، ماذا يعني أن تجد الحكمة، ماذا يعني أن تكبر في القامة، وأن تكبر في النعمة.
لأننا أمام كثير من الأشخاص الذين نلجأ إليهم، نصغر. نطلب مساعدة، فنصغر.
أما الله، فهو يأتي ليُرينا أن حضوره في حياتنا يُكبّرنا، يُنمّينا، يُعطينا الحكمة، ويُعطينا التمييز.
لهذا أدعوكم في هذا الوقت، خصوصًا في الصعوبات، وخصوصًا في الحيرة التي نعيشها أحيانًا، أن نضع قلوبنا أمامه، وأن نتعلّم أن نميّز رغبته ومشيئته.
أن نعرف ماذا يعني أن نكون معه، ماذا يعني أن نتعرّف إلى وجهه، ماذا يعني أن نختبر، مع يوسف ومريم، هذا الإعلان:
«لكم أب، وأنا لي أب».
فلنأخذ دقيقة، أخوتي، نضع فيها قلوبنا، ونسلّم كل ما في داخلنا من بحث وقلق، لكي نلتقي بهذا الأب، القادر وحده أن يعطي الفرح والمعنى لحياتنا وحياتكم.
ولنأخذ لحظة صمت، ونحن نتابع قداسنا.
