إخوتي، في هذه الليلة المباركة التي يحتفل فيها الناس ببداية سنة جديدة، ونحن أيضًا، الكنيسة تعطينا اليوم من خلال كلمة الله أن نحتفل بثلاثة أمور في الوقت عينه.
فالكنيسة تذكرنا اليوم بثلاث مناسبات: في الكنيسة الغربية نعيّد عيد أمومة العذراء، عيد العذراء أمّ الله، وهو أيضًا اليوم الثامن بعد الميلاد، أي عيد ختان الرب يسوع، وهو كذلك اليوم العالمي للسلام.
وما أجمل أن نتأمّل اليوم، أنا وإيّاكم، في هذه الأمور الثلاثة، لنرى قيمتها ووقعها على حياتنا.
اليوم، في هذه الليتورجيا، هل نحن نعيّد أمومة العذراء؟ فإذا كانت أمومة مريم لا تعنينا، يعني العيد لا يعنينا!
دعوني أبدأ أولًا بنصّ من الرسالة حيث يقول: «ولمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة».
بالنسبة للقديس بولس، التجسّد مرتبط بصورة المرأة الأم. أمومة مريم أساسية لديه، إلى درجة أنّه لا يذكر حتى اسم العذراء، لا نعرف إن كان يعرف اسمها أم لا، فهو لم يعش مع يسوع ولم يعاصر العذراء، لكنّ الأمومة هي ما يهمّه، لأنها تعني كل مسيحي.
لماذا اختار الله أن يولد من امرأة، مولودًا تحت الشريعة، ليفتدي ويخلّص الذين هم تحت الشريعة. ومن هم هؤلاء؟ نحن جميعًا.
كل واحد منّا هو ابن امرأة، ولكلٍّ منّا أم.
لكن ماذا يعني أن نكون مولودين تحت الشريعة؟ ما هي الشريعة؟
الشريعة هي الوصايا، هي القوانين، هي الوصايا العشر، وكل ما أعطاه الله للإنسان ليعلّمه كيف يحبّ بعدما ابتعد عن الله ونسي الحب.
فالشريعة أُعطيت للبشر بعد خطيئة آدم، لأن الإنسان بعد السقوط نسي دعوته إلى الحب.
وعندما يكون الحب حاضرًا، لا يعود الإنسان بحاجة إلى شريعة، أليس كذلك؟
فالخادمة التي تأتي إلى البيت تُعطى قوانين لأنها ليست من أهل البيت.
أمّا صاحب البيت، فلا قوانين تُفرض عليه داخل بيته.
هكذا كان آدم: ما دام في بيت الله، لم يكن بحاجة إلى شريعة.
لكن متى جاءت الشريعة؟ عندما خرج الإنسان من البيت، عندما نسي المحبة.
فصار بحاجة إلى من يعلّمه، إلى من يضع له ضوابط وقوانين.
لكن المشكلة، إخوتي، أنّ هذه القوانين التي نرثها، لم تعد طريق خلاص، بل تحوّلت إلى طريق لعنة.
صار الإنسان مُلزَمًا بأفعال لا ينبع فيها قلبه من المحبة، بل من الخوف.
ملزم ألا يكذب وقلبه لم يُشفَ بعد من الكذب.
ملزم أن يكون طاهرًا وقلبه لم يُشفَ من جراحه النفسية.
وهكذا صارت الشريعة كجلّاد يفرض عليّ أشياء لا أستطيع أن أعيشها بصدق.
ولهذا، حين يُسأل الطفل: لماذا الله يريدنا أن نكون طاهرين أو مطيعين؟
يجيب: «لأنّ الله هكذا يريد».
وتُربط الشريعة دائمًا بالعقاب، بالحساب، بالذنب.
لذلك جاء الابن مولودًا من امرأة، كأنه ورث حالتنا البشرية، وولد تحت الشريعة، وعاش كل حالتنا الإنسانية، وأخذها من أمّه العذراء.
ولكن لماذا هذه الأمومة مهمّة؟
«لكي يفتدينا ويخلّصنا من لعنة الشريعة».
كيف يخلّصنا؟
إمّا بإلغاء الشريعة، كما يحاول عالم اليوم أن يفعل، فنقع في شريعة الغاب، وشريعة «أفعل ما أشاء»، وهنا الكارثة، لأن الإنسان يفقد إنسانيته.
وإمّا بالطريق الذي اختاره الله: مداواة القلب.
أمومة مريم مرتبطة بمداواة القلب.
يسوع جاء ليداوي قلوبنا، فاختار أن يولد من مريم ليجد طريقًا يدخل به إلى قلبنا المجروح ويُداويه.
ولهذا، في اليوم الثامن، خُتِن.
فالختان في العهد القديم كان علامة تكريس لله، لكنه كان أيضًا نبوءة، صورة مسبقة لختان القلب، أي أن يعود الإنسان إبن بيت الله.
كما يقول بولس: ليس الختان في الجسد، بل في القلب، أي تكريس القلب لله، وانفتاحه على عمله.
ومن هنا يأتي السلام.
السلام لا يعني غياب الحرب فقط، لأن غياب الحرب لا يدوم.
السلام الحقيقي يبدأ من القلب.
طالما قلبي غير مشفى، مليء بالأنانية والطمع والمال والمراكز، فلن يكون هناك سلام، لا مع أخي، ولا مع جاري، ولا مع عدوي.
السلام يحتاج إلى قلب مشفى.
لهذا ندخل اليوم إلى أمومة مريم.
مريم التي كانت، بأمومتها ليسوع، أداة لتنقية القلب.
التعبّد لقلب مريم الطاهر، كما يقول البابا بندكتس السادس عشر، هو التعبّد لقلب إنسانة منفتح بالكامل على الله.
وعقيدة الحبل بلا دنس تعني أن مريم استفادت مسبقًا من خلاص يسوع.
وهنا يقول القديس أغسطينوس جملة رائعة:
«مريم، قبل أن تحبل بيسوع جسديًا في أحشائها، حبلت به إيمانيًا في قلبها».
أمومة مريم ليست فقط أمومة جسدية في رحمها، بل أمومة روحية.
وهذا ما نحن مدعوون إليه اليوم.
عندما قيل ليسوع: «أمك وإخوتك خارجًا»، قال:
«كل من يسمع كلمة الله ويحفظها هو أخي وأختي وأمي».
نحن مدعوون أن نكون أمهات يسوع، لا بالجسد، لأن التجسّد حدث مرّة واحدة، بل بالإيمان.
أن نحمل يسوع في قلوبنا، نسمح له أن يطهرنا، ونقدّمه للعالم.
أخي ينتظر مني أن أقدّم له يسوع، وجاري كذلك، وكل إنسان حولي ينتظر نور يسوع من خلالي، جاري، شخص من ديانة أخرى، والعجوز في البيت.
نحن مدعوون أن نعزّي المحزون، ونقوّي الضعيف، ونشدّد المتردّد، ونشجّع الخاطئ على فتح قلبه لله.
فلنطلب اليوم، إخوتي، بشفاعة مريم، نعمتين:
أن نفتح قلوبنا مثلها، ومعها، لعمل الله،
وأن نصير نحن أيضًا أمهات يسوع بالإيمان،
ونحمله إلى عالم فقد الحب، وفقد الله، وفقد يسوع المسيح من حياته.
فلنأخذ دقيقة نتأمّل بهذه الكلمة، ونتابع ذبيحتنا الإلهية بفرح.
