إخوتي، أنا وإيّاكم نتأمّل اليوم في عيد القدّيسة كاترِين لابوريه، وفي حياتها وقداستها، انطلاقًا من كلمة الله التي سمعناها اليوم. موضوعنا في هذه المسيرة هو أنّ الله جاء في الليل، في قلب الليل، وبعث الملاك إلى كاترين ليوقظها ويقول لها: العذراء بانتظارك في الكنيسة. وفي تلك الليلة، أرشدت العذراءُ كاترين، وشرحت لها أمورًا كثيرة، وعلّمتها ما يجب أن تقوم به، وأعطتها رسالة، وأعطتها مهمّة.
ما أجمل هذه الصورة: صورة كاترين راكعة، تضع يديها على قدمي العذراء. اسمعوا، إخوتي، يخبرون عن كاترين أنّه عندما ماتت أمّها، ركضت إلى تمثال العذراء وقالت لها: “من اليوم فصاعدًا، أنتِ أمّي”. وهي الخبرة نفسها التي عاشتها تيريز الطفل يسوع. فما كان جواب العذراء؟ إنّ مجيء العذراء ليلًا إلى كاترين لم يكن إلّا مجيء أمّ إلى ابنتها في الساعات الصعبة؛ فالأمّ تستيقظ على أولادها حين يكونون متألّمين. هكذا ظهر الله لموسى في البرّية، في قلب الظلم والعبودية، في صورة عليقة مشتعلة، ليقول له: “لم أنسَ شعبي الذي يتعذّب في مصر، أنا آتٍ لأخلّصه”.
الأمّ تستيقظ ليلًا لتعطي الدواء، وتستيقظ ليلًا لترضع، وتستيقظ ليلًا لتغطّي، وتستيقظ ليلًا لتتفقّد. واليوم، كاترين عاشت خبرة الحبّ الذي يتفقّد. وأريد أن أقول لكم أمرًا: حب العذراء ليس حب منفصل، بل هو حب الله عبر العذراء؛ حب الله الذي وصفه البابا فرنسيس وقال إنّ الله “أب وأمّ”. حب الله الدي يرعانا برعاية الأمّ، وصورة العذراء هي صورة أمومة الله المتجسّدة في حياتنا.
الفكرة الثانية التي أتأمّلها معكم: العذراء ظهرت لكاترين وأعطتها رسالة الميدالية. لم تقل لها: اذهبي وانشريها، لم تقل لها: اذهبي واهرعي إلى التلفاز، لم تقل لها: صوّري، أو تحدّثي عنّي، أو أخبري مرشدك. كاترين أطاعت. ولو كانت تستعمل الظهور لتأخذ مجدًا لنفسها أو لتظهر، لما صارت قدّيسة.
يخبرون عن أمر أحبّه كثيرًا: مرّةً، بعد أن طُبعت الميدالية بأمر مطران باريس، وحدثت الأعجوبة وانتشرت انتشارًا كبيرًا، قال المطران لراهبات العذراء: “أريد أن أتحدّث مع الراهبة صاحبة الظهور”. لم يكن أحد يعرف من هي سوى مرشدها الروحي. فجاء المرشد إلى كاترين وقال لها: “المطران يريد أن يراك، حتى لو أردتِ تغطية وجهك”. فأجابته: “إن كان سيكلّمني عن الظهورات، فقد نسيتُ كلّ شيء”. ويقول لورنتان، كاتب سيرة حياتها: لم تكن تكذب؛ إنّه النسيان المقدّس، نسيان الذات، نسيان الكبرياء، الخفاء، التواضع. ما أجمل ذلك!
قال لنا يسوع المسيح، أنه جاء ليخلّصنا لأنّنا تائهون، وجاء يخلّصنا لأنّنا سلكنا طريقًا ليست طريق السماء. وكاترين أطاعت حب الله، وشهدت لما رأته وما سمعته، لكنّ الله لم يُرِد منها هي أن تنشر الميدالية. فما الذي طلبه الله؟ ما الذي فهمته كاترين من خلال العذراء؟ فهمت أنّ الله يريد أن تنشر حبّه، لا الميدالية. فسلّمت أمر الميدالية لمرشدها الروحي، وهو الذي نشرها.
ما طلبه الله منها هو أن تنشر حبّه من خلال خدمة الفقراء. بقيت أكثر من سبعة وعشرين عامًا تخدم العجَزة في أنجان، تخدم المسنّين وتُعلن لهم حبّ الله. ويقولون إنّه عندما كشفوا عن جثمان كاترين، كان في جسدها شيئان ما زالا كما هما: يداها وعيناها. فقد وجدوا، عند التطويب، أنّ يديها ما زالتا كما هما، وأنّهما ما زالتا على الوضعية نفسها التي كانت تضعهما بها أمام العذراء، في الكنيسة المغلقة في رو دو باك عند الراهبات. والطبيب كتب: “رأيتُ العينين الزرقاوين اللتين رأتهما العذراء”.
وأنا أقول: ليس لأنّ يديها لامستا ركبتي العذراء فلم تَبليا، ولا لأنّ عينيها شاهدتا العذراء فلم تَبليا، بل لأنّ يديها لم تبليا لأنّهما خدمتا الفقراء، وعينيها لم تبليا لأنّهما شاهدتا حب الله كلّ يوم.
فلنطلب اليوم من القدّيسة كاترين، إخوتي، أن نكون نحن أيضًا ممّن يرون حب الله كما رأتها العذراء، وينشرونها من حولهم كما طلب الله. يقول القديس بولس: فمن طُلب منه أن يبشّر، فليبشّر. ومن طُلب منه أن يخدم، فليخدم. ومن طُلب منه أن يعظ، فليعظ. ومن طُلب منه أن يربّي، فليربِّ. ومن طُلب منها أن تُنجب، فلتُنجب. ومن طُلب منه أن يعمل أعمالاً عظيمة، فليعملها. ومن طُلب منه أن يعمل أعمالاً صغيرة، فليعملها. المهمّ أن نقوم بها بمحبة الله، وألّا ننتظر مكافأة إلّا منه هو.
فلنأخذ دقيقة نتأمّل في هذه الكلمة، ونطلب هذه النعمة من الربّ يسوع.
