عظة الأب شربل نادر – ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٥

إخوتي، اليوم فرحتُنا كبيرة لأننا نعيد عيد مريم العذراء سيّدة الأيقونة العجائبية، التي تحمل كنيستنا وهذه البازيليك اسمها. وفرحتُنا أكبر، كما قلت في القداس الأول، لأن هذا الظهور الذي فيه أعطت مريم العذراء للقدّيسة كاترين لابوريه هذه الأيقونة العجائبية، حصل على يد راهبة من راهبات المحبة، أولئك اللواتي أسّسهنّ القديس منصور.

وفي هذا الظهور، تريد مريم العذراء أن تقول لنا شيئًا بالغ الأهمية لحياتنا عبر هذه الأيقونة بالتحديد. فقد رأت كاترين أنّها، وهي تصلّي في الكنيسة، شاهدت العذراء مريم فاتحةً يديها، ودايسةً على الحيّة التي ترمز إلى الخطيئة، كما نراها في الأيقونة العجائبية. وحولها كلمات: “يا مريم البريئة من الخطيئة في تكوينها، صلّي لأجلنا نحن الملتجئين إليك.”

ثمّ في الظهور الثاني رأت هذا الحرف “م”، أوّل حرف من اسم مريم، متجذّرًا في صليب يسوع المسيح. هذه هي الأيقونة. وقد طلبت العذراء من كاترين أن تُطبع وتوزّع، فوزّعت بين الناس، وكلّ من حملها بإيمان نال عجائب كثيرة، ولذلك سُمّيت “الأيقونة العجائبية”.

لكن، إخوتي، كلمة عجائبية، أو هذه القطعة الصغيرة من المعدن التي قد لا يراها كثيرون ذات قيمة، ليست عجائبية لأن فيها سحرًا، بل لأنها تقدّم لنا مفتاحًا مهمًا جدًا لحياتنا المسيحية. وإذا لم نعرف كيف نقرأ هذا المفتاح، فلن تكون عجائبية حقًا في حياتنا، ولن تصنع فينا شيئًا.

ولهذا قالت مريم العذراء لكاترين:

من يحملها بإيمان…”

وسؤالنا: ماذا يعني أن نحملها بإيمان؟ ومن يعلّمنا كيف نعيش إيماننا مع هذا الظهور وهذه الأيقونة؟

أظنّ، إخوتي، أنّ الجواب في الإنجيل الذي قرأناه اليوم، حيث نرى الله يُرسل الملاك جبرائيل إلى مريم ليخبرها بأنها ستحبل من الروح القدس وتلد المخلّص.

شغلتان، إخوتي، لمساني حقًا في هذا الإنجيل، وأكثر منهما ذلك السؤال الذي وُلد في قلبي عندما عدتُ أتذكّر الظهور وما قالته مريم العذراء للقدّيسة كاترين. فالعذراء، في ظهورها لكاترين، كانت فاتحةً يديها، وفي أصابعها خواتم، يخرج النور من بعضها، فيما كانت خواتم أخرى مطفأة لا يخرج منها نور. وقالت لها مريم العذراء: هذه الخواتم تمثّل النِعَم التي لم يطلبهاالناس بعد من الربهي نِعَم لم يخطر بعد للناس أن يرفعوها إلى الله.”

فبدأت أفكّر: ما هي هذه النِّعَم؟ ما الذي يمكن أن يخطر في بالنا أنّه نعمة؟ وإذ بي أكتشف أنّ هذه النِّعَم، بلا شك، أساسيّة لحياتنا المسيحية. فما هي هذه النعمة؟ وبماذا نستطيع أن نختصرها؟ فكرت كثيرًا وأتاني الجواب من هذا الإنجيل:

النعمة الأولى: نعمة الإصغاء.

وهذه النعمة تسير بعكس ما رأيناه في القراءة الأولى: آدم وحواء اللذان لم يسمعا كلام الله ولم يثقّا به. لم يفتحا قلبيهما لكلمة الرب، بل تمردا على مشيئته. أمّا مريم، فقد تركت الملاك يتكلّم، سمعت، أصغت، قبلت ما يقوله، وثقت بما يريده الله لها.

النعمة الثانية: نعمة “النَّعم”.

وهي تلك الجملة التي أنهت بها مريم العذراء اللقاء مع الملاك:

“ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك.”

قالت إنها خادمة الرب. والخادم ينفّذ ما يطلبه سيّده بلا تردّد وبلا مساءلة. وهذا تواضعٌ عظيم تجسّده مريم، وهو نعمة نحتاج أن نطلبها اليوم: أن نضع حياتنا بين يدي الله ونقبل أن ندخل في مشروعه.

وما معنى هذه الـ”نعم”؟

إنها ليست فقط طاعةً للآب. إنّها قبل ذلك نعم ليسوع المسيح نفسه. نعم للمخلّص، نعم للحب، نعم للرحمة، نعم للحياة التي يعطينا إيّاها. نعم لمن لا يديننا، بل يفتح لنا باب الرحمة وفرص القيامة اليومية.

وتحت حرف الـ”م” المتجذّر في الصليب، نرى قلبين:

قلب يسوع المكلّل بالشوك، رمز آلام الرب، وقلب مريم المطعون بالسيف، رمز وجعها على موت ابنها.

وماذا يقولان لنا؟

يقولان إن حياة الإنسان لا يمكن أن تكون بلا ألم وبلا ضعف. حياتنا مطبوعة بالوجع. لكن مع يسوع المسيح يصبح الضعف بابًا للانتصار، لأن القيامة تمرّ عبر الصليب.

ولماذا يجب أن نذكّر أنفسنا بهذا؟

لأنه إن لم نقبل ألمنا ووجعنا، لن ننتصر عليه. إذا لم نعترف بصليبنا، فكيف سنعيش القيامة؟

وهذا ما عاشته مريم العذراء.

إخوتي، مريم ليست هي التي تمنح النعم، بل هي المثال.

هي “الممتلئة نعمة” لأن الله هو الذي ملأها بالنعم.

وكما ملأها، هو يريد أن يملأنا أيضًا.

ومن يحمل هذه الأيقونة بإيمان، لا تصبح عجائبية بذاتها، بل تصبح عجائبية حين يدخل صاحبها في منطق مريم:

لا منطق آدم وحواء اللذين أغلقا قلبهما وأذنيهما،

بل منطق الإصغاء، ومنطق الـ”نعم”.

وحين نحمل هذه الميدالية على صدورنا، نتذكّر أننا على مثال مريم مدعوون أن نتلقّى، وأن الإصغاء والـ”نعم” هما باب النعمة، وأن نترك يسوع يعمل في قلوبنا التي ما زالت تحتاج إلى شفاء كبير.

نؤمن بإله واحد…