إخوتي، إنّ العيدَ الذي نحتفل به اليوم يحمل رمزيّة كبيرة في قلب حياتنا، حتّى ولو كان هذا العيد بالذات قد أثار، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، بعض الإشكاليّات. لماذا؟ لأنّه أوّلًا ليس مذكورًا في الإنجيل أنّ العذراء منذ صِباها قد كُرِّست في الهيكل، ولأنّه تاريخيًا لم يُذكَر يومًا أنّ بناتٍ كنّ يُكرَّسن في هيكل أورشليم. لكنّ هذه الرواية موجودة في الأناجيل المنحولة، ودخلت إلى تقليد الكنيسة. والمهمّ أنّ البابا بندكتوس، وكذلك كتاب القدّاس اللاتيني، يقولان إنّ هذا العيد — بغضّ النظر عن تاريخيّته — يحمل رمزيّة كبيرة ومهمّة. وما هي هذه الرمزيّة؟ أنّ مريم، منذ طفولتها، كان قلبُها مكرَّسًا لله. قد لا تكون قد ذهبت إلى الهيكل فعلًا، وقد لا تكون قد كُرِّست فيه، لكنّ رمزيّة الهيكل، ورمزيّة التكريس لله، قد عاشتهما العذراء منذ طفولتها. ونحن نعرف هذا من تقليدنا: العذراء متّحدة بالله وبمشيئته منذ صغرها.
فماذا يعني لنا هذا العيد اليوم؟
اسمحوا لي أن أبدأ من معنى الهيكل. لقد جاء يسوع إلى الهيكل فوجدهم قد حوّلوه إلى مغارة لصوص: مكان للبيع والشراء، خراف وبقر ومحرقات تُقدَّم لله. صار الهيكل مكانًا يشبه الوثنيّة: الإنسان يريد أن “يشتري” الله، ويقدّم له شيئًا ليأخذ شيئًا مقابله — تذكّروا “التديّن الطبيعي” الذي نتكلّم عنه. قال لهم يسوع: أنتم جعلتم من بيت الله — الذي يجب أن يكون مكانصلاة — مغارة لصوص. أنتم تسرقون الحيوانات، وتُعلّمون الناس الفساد، والأخطر من ذلك: تُعلّمونهم شراء الله، وكأنّهم إن قدّموا لله شيئًا صاروا يملكونه، أو يستحقّون منه شيئًا.
وما أجمل أنّ يسوع لا يدمِّر فقط، بل يهدم ليبني. كيف بنى الهيكل الجديد؟
يقول الإنجيل: كان كلّ يوم يعلّم، وكانت الناس مولعة بالاستماع إليه، كانوا مذهولين بكلامه. فما معنى “بيت صلاة”؟ وما معنى أن يكون الهيكل مكان صِلة؟ كلمة “صلاة” آتية من “الصِّلة”: ما الذي يجعلني أتواصل مع الله؟ ما الذي يُدخلني في علاقة معه؟ ما الذي يجعل الهيكل مكانَ صِلةٍ وصلاة؟ أن يكون مكانًا يُعلَن فيه كلام الله، ويُبشَّر فيه بحبّ الله، ومكانًا يُصغي فيه الناس إلى كلمة الله.
لأنّي أقول لكم، إخوتي: حبّ الله هو ما يتشوّق إليه قلب الإنسان. لماذا كانت الناس مولعة بالاستماع إلى يسوع؟ لأنّه لم يكن يقول لهم: إذا قدّمتم ذبيحة يطيل الله عمركم ويبعد عنكم الأمراض والمصاعب. المسيحيّة لم تطلب يومًا أن تختفي المشاكل والصعوبات من حياة المؤمنين. بل كان يسوع يبشّرهم بحبّ الله، ويبشّرهم بالهيكل الحقيقي، ببيت الله الحقيقي، بأنّ لله بيتًا، ونحن أولاده. في الوثنيّة، كان الإنسان ممنوعًا من دخول الهيكل؛ أمّا يسوع فقد أدخلنا جميعًا إليه. فعندما مات يسوع على الصليب يقول الإنجيل: انشقّ حجاب الهيكل، ولم يَعُد هناك حاجز بين المقدّس وقدس الأقداس. البوّابة فُتحت، وصار بيت الآب مفتوحًا لقلب الإنسان.
وهذه هي الصورة التي رأيناها في العهد القديم: عندما دَنَّس أنطيوخوس الهيكل وجعله مكانًا للأوثان، وأعاد الناس إلى ذهنية الخوف، كانت المعركة أن يعود الهيكل مكانًا للّقاء بحبّ الله، تهيئةً لمجيء يسوع الذي سيَفتح لنا باب قلب الله — لا بيت الله فقط — بل قلبه هو، المفتوح كلّيًا لنا.
فلننتبه اليوم، إخوتي، مع مريم: نحن أهل البيت. لسنا غرباء، ولسنا عبيدًا، ولسنا أشخاصًا يترجّون الله ويقدّمون له “هدايا”، كما لو أنّ الابن يعطي هديّة لأبيه لكي يهتمّ به. نحن أهل البيت. لكن علينا أيضًا أن نعي معنى أن نكون أهل البيت: الله يريدنا أهلًا لبيته. كثيرًا ما تضع خطايانا وقساوة قلوبنا حاجزًا فنقف خارج البيت.
فلنطلب هذه النعمة من العذراء: كما كانت هي في قلب البيت منذ البداية، ونحن — وللأسف — كثيرًا ما نقف خارجه حتّى اليوم، فلنطلب معها نعمة أن نقبل كلمة الله، أن ندعها تعمل فينا، لكي نعود نحن أيضًا مولعين بكلمة الله، ونصير من أهل البيت مع يسوع ومريم.
آمين.
لنأخذ دقيقة نتأمّل في هذه الكلمة.
