إخوتي، قلتُ في بداية القدّاس إنّ هذا العيد، عيد جميع القدّيسين، هو عيد نحتفل فيه بجميع القدّيسين، لا بقداسة كلّ واحدٍ منهم على حدة، بل بما يجمعهم جميعًا، أي بالقداسة نفسها. هذا العيد مهمّ جدًّا لنا، لأنّنا نحن أيضًا مدعوّون إلى هذه القداسة، مدعوّون إلى هذه المسيرة، إلى هذه الحالة التي تجمعهم، والتي ينبغي أن تجمعنا نحن أيضًا.
من هو القدّيس؟ سمعنا في المزمور جوابًا واضحًا: من هو الإنسان الذي يدخل ملكوت الله؟ هو طاهر اليدين ونقيّ القلب، الإنسان النظيف. وهذه مسألة في غاية الأهميّة، لأنّ الإنسان النظيف يدخل بيته نظيفًا، ويعيش في بيتٍ نظيف، أمّا المتّسخ فيعيش في بيتٍ متّسخ.
الدخول إلى ملكوت الله ليس مكافأة من الله بقدر ما هو حالةٌ داخليّة للإنسان. نحن أحيانًا نرى الأمور بصورةٍ مغايرة: الإنسان الذي يرى هو الذي يشارك في المسرحيّة، أمّا الأعمى—حتى لو جلس في الصالة—فهو في الحقيقة خارج المسرحيّة، خارج الاحتفال.
هكذا أيضًا ملكوت الله: هو رؤية حبّ الله ومجده والسعادة فيه، والأعمى عن هذا الحبّ يكون خارج الملكوت. لذلك يقول يوحنّا في رسالته إنّ الذي لا يشبهه، لا يراه. فإذا لم نكن نشبه الله، فإنّنا لا نراه، لأنّ عيوننا لا تستطيع أن تبصر هذا الحبّ.
نحن مدعوّون لأن نكون أنقياء. لكن مشكلتنا في روحانيّتنا المسيحيّة أنّنا نشوّه الفهم الحقيقيّ للقداسة. نظنّ أنّ هناك أناسًا وُلدوا قدّيسين، وآخرين وُلدوا ليكونوا أشرارًا. نصوّر القدّيسين كأنّهم منذ صغرهم بلا خطأ، لكن هذا غير صحيح.
وهنا أودّ أن أذكّركم بالقدّيسة برناديت، التي لها مكانة خاصّة في حياتنا الروحيّة لأنّنا مرتبطون بلورد. هذه الفتاة التي ظهرت لها العذراء، والتي ثبّتت الكنيسة ظهوراتها رسميًّا، وبدأت العجائب تجري على يديها، روت إحدى رفيقاتها حادثة حصلت عندما دخلت برناديت الدير.
في إحدى الرياضات الروحيّة، كان المرشد يتكلّم عن القدّيسين ومعجزاتهم، فرفعت برناديت يدها وقالت له: «كفّوا عن الحديث عن القدّيسين وما صنعوه من خوارق! حدّثونا عن ضعفهم، عن صراعهم، عن كيفيّة تغلّبهم على ضعفهم، عن كيف تطهّروا من الداخل.»
ما أجمل هذه الكلمات من فتاة صغيرة! التي عاشت الخوارق ورأت العذراء بعينيها، ولكنّها عرفت من الداخل أنّ القداسة ليست في المعجزات بل في الصراع مع الذات، في التنقية الداخليّة.
فالإنسان لا يُخلق نظيفًا تمامًا، بل هو مدعوّ لأن يطهّر نفسه. لا أحد يولد بلا شوائب، لكنّ هناك من يقرّر أن ينظّف، وهناك من يقرّر أن يبقى في وسخه.
أحبّائي، في القراءة الأولى من سفر الرؤيا سمعنا عن الجمع الغفير: مئة وأربعة وأربعون ألفًا. البعض، مثل شهود يهوه، يقولون إنّ الذين يخلُصون هم فقط هذا العدد. لكنّهم يجهلون أنّ هذا رقم رمزيّ. فالكتاب المقدّس، وخصوصًا سفر الرؤيا، مليء بالرموز.
العدد 144,000 هو 12 × 12 × 1000، أي كمال الكمال. فالرقم 12 يرمز إلى الشمول والكمال: اثنا عشر سبطًا، واثنا عشر شهرًا في السنة، أي أنّه يعبّر عن الكلّ. وكأنّ النصّ يقول: «إنّ عدد المخلّصين لا يُحصى!» رأى يوحنّا جمعًا غفيرًا لابسين ثيابًا بيضاء.
نحن نميل أحيانًا إلى الظنّ أنّ القدّيسين قلّة، ونقول إنّ الأرض فرغت من القدّيسين، لكنّ الله قال لإيليّا عندما اشتكى: «ما زال لي سبعة آلاف لم يحنوا ركبتهم للبعل.» أي إنّ الأبرار موجودون دومًا.
رأى يوحنّا هؤلاء بثياب بيض وسأل: «من هم؟» فقيل له: «هؤلاء هم الذين بيّضوا ثيابهم بدم الحمل.»
سرّ القداسة هو أن أنظّف حياتي بدم الحمل. لكن ماذا يعني أن تُغسل الثياب بالدم؟ في العادة إذا غسلنا الثياب البيضاء بالدم تصبح حمراء، لا بيضاء. لذلك فدم الحمل هو رمزٌ إلى حبّ يسوع الذي يُطهّرنا. الذين تركوا حبّ يسوع ينقّيهم، الذين سمحوا له أن يغذيهم وأن يكون فرحهم، هم الذين صاروا أنقياء.
نحن ننجّس أيدينا حين نضع أملنا في المال، حين نعلّق رجاءنا على الناس أو على العلاقات أو على السياسة. كلّ هذه تلوّثنا. أمّا من يضع أمله في دم الحمل، أي في حبّ الله، فهو الذي يطهّر نفسه.
الإنسان يستطيع أن يكون سياسيًّا وقدّيسًا، طبيبًا وقدّيسًا، قاضيًا وقدّيسًا، كاهنًا أو أمًّا وقدّيسًا. لأنّ القداسة ليست طريقًا خاصًّا، بل هي وجهة واحدة: وجهة نحو الله، نحو حبّه. كلّ واحد له طريقه، لكنّ المهمّ أن يكون الاتّجاه نحو دم الحمل لا نحو أمور الدنيا.
الله في يوم الحساب لن يسألني كم كانت خطاياي، بل سيسألني: هل كنتَ تنظّف نفسك أم تزيد وسخك؟ سيسألني عن الاتّجاه الذي أسير فيه: هل ثيابي تتطهّر أم تتّسخ أكثر؟
السؤال الأهمّ هو: أين أغسل ثيابي؟ بدم الحمل أم بدم آخر؟
فلنأخذ دقيقة صمتٍ، إخوتي، لنسأل قلوبنا أمام يسوع هذا السؤال:
هل أريد اليوم أن أبدأ بتنظيف نفسي بدم الحمل، أم أريد أن أبقى متّسخًا؟
هذا السؤال أساسيّ لمسيرة حياتنا كلّها.
فلنتأمّل بصمتٍ في هذا الكلام.
