الله معكم إخوتي،
أتأمّل معكم اليوم تأمّلًا صغيرًا في إنجيل هذا الأحد، حيث نرى الرب يسوع يتكلّم عن شروط من يريد أن يتبعه، أي من يريد أن يكون له تلميذًا. وللوهلة الأولى قد تبدو هذه الشروط قاسية إذا نظرنا إليها فقط بعين بشريّة. إذ يقول: «من أتى إليَّ ولم يُفضِّلني على أبيه وأمّه وأخيه وأخته وزوجه وحتّى على نفسه، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا». في البداية يبدو هذا الكلام وكأنّه قاسٍ، ثم يُكمل الرب يسوع: «ومن لم يحمل صليبه ويتبعني فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا».
إخوتي، لنسأل أولًا: ماذا يعني أن يكون الإنسان تلميذًا ليسوع؟ هل الرب يسوع يطلب منّا أن نكون كالحشود وراء زعيم سياسي أو ملك يريد جيوشًا تمشي خلفه؟ هل يريد جماهير تمجّده وتسير وراءه؟ أبدًا. يسوع لا يطلب جيشًا ولا فرقة شعبية، بل يطلب قلبًا تلميذًا للحب، لأنّه هو نفسه جسّد هذا الحب حين تجسّد إنسانًا بيننا.
إذًا أن أكون تلميذًا للرب يعني أن أجسّد هذا الحب. وأيّ حب؟ الحب غير المشروط. حبّ يسوع لنا هو حبّ غير مشروط. لم يطلب منّا شيئًا ليحبّنا. مار بولس يقول: «لقد أحبّنا الرب حتى عندما كنا خطأة». الله أحبّنا ونحن بعد في خطايانا، وهذه أعظم حقيقة: أن نتذكّر أنّ الله أحبّني حتى عندما لم أكن أستحق الحبّ بعيني البشرية.
فإذًا أن أكون تلميذًا للرب يعني أن أكون تلميذًا للحبّ، للحبّ غير المشروط. وهذا أصعب أنواع الحبّ، لأنّنا نحن البشر تعوّدنا أن نحبّ مقابل شيء. منذ الطفولة تعلّمنا ذلك: إذا بكيتَ تطعمك أمّك، إذا صرختَ يلبّون حاجتك. ثم نكبر فنُربّى على حبّ مشروط: إذا نجحتَ بدرجات عالية تُكافأ بدراجة أو هديّة. نحن اعتدنا أن ندفع ثمن الحبّ. أمّا الله فيأتي ليقول: «أنا لا أحبّكم بهذه الطريقة. أنا أحبّكم كما أنتم، لأنّي خلقتكم فعل حبّ».
ما من أحد منّا طلب من الله أن يخلقه، ومع ذلك خلقنا الله بفعل حبّ مجاني. هذا هو الحبّ الذي يريده أن يستمرّ في حياتنا. وإذا أردنا أن نكون حقًّا تلاميذ ليسوع، علينا أن نجسّد هذا الحبّ غير المشروط مع إخوتنا وأهلنا وأصدقائنا وزوجاتنا وأزواجنا، في العمل، في الجامعة، في كل مكان.
لكن، هل نستطيع أن نحبّ هكذا بقوّتنا الذاتية؟ أبدًا. لهذا يقول يسوع: «من لم يفضّلني على أبيه وأمّه…». أي أنّه يطلب منّا أن نأخذ الحبّ منه أوّلًا، لأنّه بدون حبّه نحن لا نعرف أن نحبّ. إذا لم نأخذ منه الحبّ، لن نعرف أن نحبّ أهلنا وأخوتنا كما يجب.
ثم يقول: «من لم يحمل صليبه ويتبعني فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا». هنا أيضًا قد يظنّ البعض أنّ الله يريد عذابنا. لكن الله ليس إله العذاب، بل هو إله الحبّ والفرح. فما معنى الصليب إذًا؟ الصليب هو ضعفي، خطيئتي، حدودي البشرية. من يريد أن يحبّ حبًّا غير مشروط، سيصطدم بضعفه. فإذا حاول أن يضع ضعفه جانبًا ويقول: «سأحبّ مثل الله بقوّتي»، سيفشل. لكن إذا وضع ضعفه أمام الله وقال: «يا رب، أنا ضعيف، لكنك أنت القادر. علّمني أن أحبّ رغم خطيئتي وضعفي»، حينها يتحوّل الصليب إلى طريق نعمة.
إذًا أن أحمل صليبي يعني أن أضع خطيئتي وضعفي أمام الله وأسلمها له ليحوّلها إلى قوّة محبة.
واليوم، نذكر الطوباوي كارلو أكوتيس. نحن نضع ذخائره بيننا، ليس لأنّ عيده اليوم، بل لأنّه غدًا سيُعلَن قديسًا في الفاتيكان. كارلو أكوتيس كان شابًا عمره 15 سنة فقط، ومع ذلك عاش القداسة لأنه اختار شيئًا واحدًا: أن يحبّ ببساطة. لم يتعمّق في اللاهوت، لم يكتب مؤلفات، لم يركّز على مظاهر خارجية. كل ما فعله أنّه استسلم لله ببساطة، ووجد يسوع في سرّ القربان، في الإفخارستيا، التي كانت بالنسبة له أهمّ ما في الحياة. ومن خلالها اتّحد بيسوع، فصار قديسًا.
هذا ما يعلّمنا إيّاه كارلو أكوتيس: أن نفتّش عن يسوع ببساطة في حياتنا اليوميّة. أن نجعله حاضرًا في ضعفنا كما في قوّتنا، لكي يعمل هو فينا كما عمل فيه.
آمين.
