إخوتي، في هذا العيد الذي تحتفل به الكنيسة اليوم، عيد انتقال أمّنا مريم العذراء، أحببت كثيرًا ما جاء في القراءة الأولى من رؤيا يوحنا، حيث يخبرنا عن تلك المرأة ويقول إنّها كانت مُلتحفة بالشمس، وتحت قدميها القمر، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا. أحببت جدًّا هذه الصورة، لأنّها تذكّرنا بالسرّ الذي في سفر التكوين، حيث يخبرنا أنّ الله حين خلق العالم رتّب لكلّ شيء إطاره: للأشجار خلق البريّة، وللأسماك خلق البحر، وخلق السماء لتكون فيها الشمس والقمر والنجوم والكواكب.
وهنا نجد صورة هذه المرأة العذراء الملتحفة بالشمس والقمر والكواكب، وهي آتية اليوم لتُظهر لنا أين يريد الله أن يكون مكاننا، وأين محلّنا في هذا العالم. مريم فتحت لنا الطريق لكي يكون مكاننا في السماء. أنا وأنتم اليوم نحتفل بعيدنا، والربّ يقول لكلّ واحد منّا: “مكانك في السماء، أنت خُلِقتَ للسماء، مشروعك هو السماء”. أنت في هذه الدنيا، لكن قلبك وحياتك واتجاهك كلّه نحو السماء، فهناك مكانك. الله خلق الدنيا لكي يكون مكانك معه.
والجميل أنّ مريم العذراء، وهي صورة الكنيسة، ليست كائنًا سماويًّا من جهة الله، بل هي اليوم في السماء من جهتنا نحن، لكي تعلّمنا نحن، كبشر، كيف نكون في حياة الله. العذراء هي صورة الكنيسة وصورة كلّ واحد منّا، فكلّ ما يُقال عنها يُقال عنّي وعنكم.
العذراء التي جلست اليوم في السماء، لم تجلس هناك لأنّها استحقّت جائزة عظيمة لا يمكننا الوصول إليها، بل لأنّها عرفت كيف تقبل الوعد وتعيشه في حياتها. أحببت كثيرًا ما جاء في المزمور حين وصفها بالعروس. ماذا يعني أن تكون العذراء عروسًا؟ أي أنّها كانت تعيش واثقة بأنّ لها زوجًا وسيدًا. مشكلتنا في هذه الدنيا أنّنا أحيانًا نعيش وكأننا لا ننتمي لأحد، وكأننا بلا عريس.
كيف تعيش الزوجة مع زوجها؟ إن جاعت، تعرف أنّ لها زوجًا يسدّ جوعها، وإن خافت تعرف أنّ لها من يحميها، وإن ضاقت بها الحياة تقول: “أنا لست وحدي”. والزوجة لا تعرف الفرح الحقيقي إلّا مع زوجها. واليوم الرب، العريس الحقيقي، عريس قلوبنا، يعلّمنا أنّ السماء هي أن نكتشف في هذه الحياة أنّ فرحنا هو أن نكون معه، أن نقبل أن نكون عروسه، وأن نعرف أنّه حين تضيق بنا الدنيا، نحن بحاجة إليه، وأن نقول له: “أنا لك”.
وفي سفر التكوين، بعد أن رأينا هذه الصورة الجميلة، يخبرنا يوحنا أنّه بعد أن دخلت الخطيئة التي تهدّد حياتنا وفرحنا، أخذ الله العروس إلى البريّة، وهناك اكتشفت أنّه هو ملجأها. كما في سفر هوشع، حين يقول الرب عن عروسه الزانية التي تركته وهجرته: “آخذها إلى البريّة وأخاطب قلبها”. هناك يُعيد إليها جمالها، ويقول لها: “شبعكِ فيّ”.
إخوتي، الربّ اليوم يريد أن يعمل في حياتنا ما عمله مع عروسه في البريّة: يريد أن يقودنا إلى أماكن اللقاء به، حتى في وسط الصعوبات. قبل القداس كنت أتحدّث مع الأب جورج عن البابا فرنسيس وعن البابا لاون الثالث عشر، الذي قال في شرح هذه القراءة: في صحراء حياتنا، ماذا نعظّم؟ هل نعظّم مشاكلنا أم نعظّم الله؟ في الأيّام التي أكون فيها في ضيق أو فقر أو خيانة، ماذا أضع أمام عينيّ؟ مصيبتي ! مشكلتي !
العذراء، في صغرها ووداعتها، كانت تعظّم الرب، وتبتهج روحها بالله مخلّصها، لأنّه نظر إلى أمته الوضيعة الفقيرة. اليوم، مريم تعلّمنا كيف نعيش السماء في بريّة حياتنا، وكيف نفرح بالله وسط الصعوبات.
والجميل في الرسالة، يقول بولس إنّ المسيح جاء ليُظهر لنا أنّه كما نموت بآدم، نحيا بالمسيح. وأوّل من اختبر هذه الحياة بابنها هو العذراء مريم. وهي أوّل من قامت معه في المجد بعده، لأنّها من خاصّته، فهي المخلَّصة الأولى. ونحن أيضًا، إن كنّا من خاصّته، سنشاركه المجد.
اليوم، العذراء ضمانة لنا أنّ لنا مكانًا في السماء، لأنّ يسوع وعدنا قائلاً: “أنا ذاهب لأعدّ لكم مكانًا”. مريم الآن في هذا البيت، وأنا وأنتم لنا مكان فيه. وسط صحراء حياتنا، حيث نختبر قسوة العالم والخطيئة، يأتي التنّين ليحرمنا فرح السماء، لكننا مع مريم نمسك بأيدي بعضنا لنبقى في بيت الآب، مع عريس قلوبنا.
اليوم، في برّيّة حياتنا، الرب يهيّئ لنا لقاءً شخصيًّا معه، لقاء حبّ حرّ، ليقول لكلّ واحد منّا: “مهما كانت مصيبتك كبيرة، ستكتشف حبًّا أكبر”. لديك إله، لديك أب، وهذا الآب قادر أن يجعل من حياتك بشارة حيّة.
العذراء التي قبلت الروح القدس، حين دخلت بيت أليصابات، امتلأت أليصابات من الروح القدس ففرحت وابتهجت. ونحن أيضًا اليوم، لكي نحيا الفرح، نحن بحاجة أن نمتلئ من هذا الروح القدس.
أدعوكم الآن أن نضع قلوبنا أمام الآب، الذي يريد أن يجعل كلّ واحد منّا كعروس له، ويأخذنا بفقرنا وخطيئتنا ليجذبنا إليه ويخاطب قلوبنا، فنكتشف أنّ مكاننا أن نكون معه، السماء هي أن نكون معه، مع العذراء نرى اليوم أن هناك ضمانة. مع مريم اليوم، سنقول له “نعم” نريدك ونريد أن ندخل هذا المشروع الإلهي مهما كنا ضعفاء وخطأة، عالمين أنّه هو الذي يحمي هذا المشروع وينمّيه ويقدسنا. فلنتأمّل بهذه الكلمة، ولنترك للعيد أن يفتح لنا باب الفرح السماوي مع أمّنا مريم ومع يسوع في بيت أبينا السماوي.
