عظة الأب رمزي جريج – ١٣ آب ٢٠٢٥

إخوتي،

ماذا تقول لنا كلمة الربّ اليوم؟ أوّل ما تقوله: في تعاملنا بعضِنا مع بعضٍ لا ينبغي أن نكون أنانيّين. وحتى إذا أخطأ أحدٌ إليك، فطبعُك قد يدفعك إلى معاملته بأنانيّةٍ أو إلى الانتقام، أمّا يسوع فيعلّمنا أن نبذل المستطاع لأجل خلاصه. يقول: اذهب أولًا وكَلِّمه على انفراد؛ فإن لم يسمع، فخُذ معك شاهدين؛ فإن لم يَقبل، فاعرض الأمر على الكنيسة؛ فإن لم يسمع من الكنيسة، «فليكن عندك كالوثنيّ والعشّار». ما معنى ذلك؟ أتَرميه وتُقصيه؟ يسوع نفسه لم يَفعل ذلك مع الفرّيسيّين ولا مع العشّارين، بل بدأ معهم البشارة من جديد. إذًا، حتى إن كان أخوك قد وضع نفسه خارج مشروع الله وخارج جماعة الكنيسة برفضه السماع، فابدأ معه البشارة من جديد، ولو كلّفك الأمر حياتك. يسوع مات أيضًا من أجل الفرّيسيّين والعشّارين.

ثم يقول الربّ: «ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء، وما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء». نحن عادةً نفسِّرها بأنّ الكاهن إذا أعطى الحِلّة تُغفَر الخطايا في السماء، وهذا صحيح؛ لكنّ للقول معنى أوسع: المشاكل التي تُحَلّ على الأرض تُحَلّ في السماء، والتي لا تُحَلّ هنا تُربَط وتتعقّد. كم من مرّة نعقِّد حياة بعضنا، ونزيد عقد الدنيا حين نردّ الشرّ بالشرّ!

وأحيانًا يُخطئ أخي إلي ليس لأنه عاطل؛ قد يكون موجوعًا، أو مريضًا، أو مجروحًا. فإذا قابلتُه بالقسوة، فأنا أزيد عقدته وأعقِّد حياته والحلّ معه. دعوتنا أن نستوعب بعضنا، وأن نعمل لكي يسود الحبّ. لأنّ ما يُحَلّ على الأرض يُحَلّ في السماء. فلا يعود ثمّة لزومٍ لأن «نحلَّه» هناك إذا جئنا ونحن محلولون هنا. أمّا ما نربطه ونُعقّده على الأرض فليس في حياة الآخرين فقط، بل في قلوبنا نحن أيضًا؛ إذ عندما نعيش قلّة المحبّة، نعقِّد قلوبنا ونصل إلى الله بقلوبٍ أكثر انغلاقًا وتيبّسًا.

وأحبّ أن أضيف كلمتين عن حياة القدّيس مكسيميليان كولبي، الذي عاش في أبشع ظرفٍ عرفته البشريّة: في قلب معسكر التعذيب والموت، معسكر أوشفيتز. هناك لم يُقتَل اليهود وحدهم، بل قُتِل أيضًا مسيحيّون كثيرون. ومكسيميليان قُتِل لأنّه كان مسيحيًّا يبشِّر بالمحبّة. كان كاهنًا فرنسيسكانيًّا، ومن محبّي العذراء، وخاصّة رسالة «الأيقونة العجائبيّة». ولنا من ذخائره هنا في هذه البازيليك، وسنكرمها في ختام القدّاس. لقد بقي في المعسكر كاهنًا حقيقيًّا: يبشِّر بالمحبّة ويشجِّع الناس.

وكانت القاعدة هناك: إن هربَ أحدُ السجناء قُتِل عشرةٌ من مجموعته. اختاروا ذات يومٍ عشرةً للموت جوعًا في غرفةٍ مغلقة، ومن بينهم رجلٌ أبٌ لعائلة. بكى وتوسّل قائلًا: «ارحموني، لديّ عائلة». عندها خرج مكسيميليان كولبي من الصفّ وقال للحُرّاس: «خُذوني مكانه». إلى اليوم، في أوشفيتز، على بلاطةٍ هناك عبارة: «من هنا خرج مكسيميليان كولبي وقدّم حياته بدل رجلٍ آخر».

أُغلِق العشرةُ في غرفة ليموتوا جوعًا. تتوقّع في مثل هذه الحال سبًّا وصراخًا وتذمّرًا… لكنّه ظلّ يرافقهم روحيًّا: رتَّل معهم وسبَّح، وهيّأهم ليعيشوا لحظات التعذيب الأخيرة في حضرة الربّ. شيئًا فشيئًا خفَت صوت الترتيل، إذ كان الواحدُ بعد الآخر يسلِّم الروح. أمّا هو، فلم يمت جوعًا؛ قوّة الله كانت تسنده، فحقنوه في النهاية بإبرةِ سُمّ.

هذه علامةٌ باهرة: حين نفتح قلوبنا لله يجعل منها منارةً في قلب الظلمة. وعندما زرتُ أنا شخصيًّا أوشفيتز في بولندا، بلغتُ حدّ الغصّة في قلبي من شِدّة الظلام الذي يخلقه ظلمُ الإنسان، إلى أن وصلتُ الغرفة التي مات فيها كولبي؛ هناك شمعةٌ فصحيّة مضاءة—شمعة يسوع القائم من الموت—تعلن غلبة الحياة على الموت. يا لروعة الصورة: حياةٌ في قلب الموت، ونورُ القيامة في قلب القبر!

فلنطلبْ بشفاعة العذراء، التي كانت منارةً تحت الصليب، أن يجعلنا الربّ اليوم مناراتٍ في ظلمة هذا العالم: عالمٍ مليءٍ بالقتل والتعذيب والحروب، وعائلاتٍ تتفكّك، وخياناتٍ تستشري. ماذا يجري في الدنيا؟ لا أعلم؛ لكنّنا نشعر أنّ شيئًا غيرَ مستقيم، وأنّ الشرّ كأنّه ثائر في قلوب كثيرين: طلاقٌ غير متوقَّع، خياناتٌ بين الأزواج، طعنٌ في الظهور، وخيانةُ المحبّة… ظلمةٌ تُخيِّم. ومع ذلك نحن واثقون: في قلب هذه الظلمة يسطع نور محبّة يسوع المسيح، وبالذّات لا تستطيع أيّ ظلمةٍ أن تطفئه. لم تُطفِئْ ظلمةُ أوشفيتز النورَ في قلب مكسيميليان كولبي، فكيف تقدر ظلمةُ هذا الزمان أن تُطفئ النور الذي يمكن أن يَسكُن قلوبَنا؟ فلنطلب بقوّةٍ من الربّ يسوع أن يبقى نورُه مشعّ في حياتنا، فنكون منارةً في ظلمة الدنيا، وبرغم ضعفنا وخطايانا، فهو يعرف كيف يصنع من قلوبنا تلك المنارة.