عظة الأب رمزي جريج – ٩ آب ٢٠٢٥

إخوتي وأخواتي، كلمة الرب اليوم مهمّة وأساسية لحياتنا. إذا نظرنا إلى القراءة الأولى، وهي من العهد القديم، من التوراة، من سفر تثنية الاشتراع، نكتشف أنّها المرة الوحيدة التي يتكلّم فيها الله بقوة ويطلب طلبات تبدو غريبة. يقول: “الذي أقوله لك اكتبه على جبينك، وعلى معصمك، وفي قلبك، ولا تنسه، واذكره صباحًا وظهرًا وعشيّة، وردده وأنت نائم وأنت مستيقظ”. أبهذه الدرجة هو مهمّ؟ نعم، هو أهمّ مما نتصوّر. وما هو هذا الشيء؟ يقول: “اسمع يا إسرائيل، أنا هو الرب إلهك، أحبب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك”.

الإنسان إذا سمعها من الخارج قد يقول: “كم أن الله أناني!”، كمن يقول لحبيبته: “تذكّري أنّك تحبّينني صباحًا وظهرًا ومساءً، وتنامين وأنت تقولين أحبّه، وتستيقظين وأنت تقولين أحبّه، وتكتبين اسمه على يديك”. قد يقول أحدهم: “لقد خنقه!”. لكن هل الله أناني عندما طلب أن لا ننساه؟ أبدًا، لأنّ هذا الطلب بأن لا ننسى الله ليس لأنّ الله يستفيد إن ذكرناه أو أحببناه؛ فالله لا يزيد شيئًا إن أحبه واحد أو ٦ مليار. لكن الإنسان، إذا كان الله وحبّ الله في حياته، تكون حياته شيئًا، وإذا غاب حبّ الله عن حياته، تصبح شيئًا آخر.

عندما أعطى الله الوصايا قال: “يا إسرائيل، انتبه، إذا أردت أن تجد السعادة فأحببني”، لأنّ سعادة الإنسان في الحبّ، في أن يحبّ ويُحبّ، في أن يجد من يحبّه. لكن كلمة “من يحبّه” هنا ليست كحبّ البشر، لأنّ حبّ البشر في أغلبه تجارة ومصلحة: “أحبّك وتحبّني، أعطيك وتعطيني”. أمّا الحبّ الذي يبحث عنه قلب الإنسان ليجد السعادة، فهو الحبّ المجاني، الحبّ الذي بلا مقابل، الحبّ الذي يقول: “أحبّك وأدركك”.

قال له: “يا إسرائيل، إذا لم تجد حبّي، فحياتك ستكون عرضة للموت، والحزن، والفراغ، وستصبح في قبضة الشيطان”. ويأتي الإنجيل ليكمل لنا الصورة: من هو هذا الإنسان الذي يسكن فيه الشيطان وتضيع حياته؟ هو أنا وأنت حين ننسى حب الله في حياتنا.

قال له: “انتبه، أنت اليوم تحبّني لأنّي أخرجتك من أرض العبودية، لأنّي أنقذتك من قلب الجورة، من قلب الوحل والعذاب. لكن غدًا، حين تدخل أرض الميعاد، وتجد البيوت المبنيّة، والآبار، والحياة الجميلة، إياك أن تنساني”. لأنّ الإنسان حين يغتني، يستغني، وعن من يستغني أولًا؟ عن حبّ الله. يظنّ نفسه مكتفيًا، وأنّه لا يحتاج إلى شيء. والمصيبة أنّه حين يتخلّى عن حبّ الله يدخل الفراغ، ولا يكتشف ذلك إلا حين تعود المشاكل، فيرى أنّ كل ما يملكه لا قيمة له: الأراضي بلا قيمة، البيوت بلا قيمة، المال بلا قيمة، الجمال بلا قيمة، وحتى العائلة والأولاد بلا قيمة إن لم يكن حبّ الله في حياتنا. مثل الطبخ بلا ملح، أو البيت بلا نور كله ظلام.

أحببت في الإنجيل أنّ التلاميذ سألوه: “لماذا لم نستطع أن نطرد هذا الشيطان؟” فقال: “لأن ليس عندكم إيمان”. وكأنّ الإيمان هو الثقة بالله وحبّه، وهو الذي يدخل الله إلى حياتنا. والله لا يحتاج منّا جهدًا كبيرًا ليدخل حياتنا، ولا أن نصبح قدّيسين قبل أن يأتي إلينا، بل هو الذي يجعلنا قدّيسين عندما يأتي، أتسمعونني؟ هذا مهم جدًا! ما يريده منّا هو شيء واحد: الإيمان، والثقة بأن نفتح له قلبنا، ونقول له: “تعال، حياتي فارغة بدونك”. وصدقوني، ما يطول حتى يأتي ويسكن ويملأنا فرحًا وسلامًا، وحتى في الساعات الصعبة لا يتركنا.

اليوم إخوتي، قدّاسنا مميّز، لأنّنا نذكر مرور أربعين يومًا على وفاة أختنا تريز، التي تعرفونها جميعًا، والتي صارت من حجارة هذه البازيليك. ما من احتفال إلا وتكون فيه، وما من قداس إلا وهي حاضرة، وما من مسبحة إلا وكانت تصلّي معنا. لكنّي أريد أن أخبركم كيف تعرّفت تريز على اللعازرية، وقصّتها مع البازيليك. هي قصة تريز مع يسوع. أخبرتني أنّه في إحدى السنوات، حين جُلبت ذخائر القديسة مارغريت ماري ألاكوك، التي ظهر لها قلب يسوع، إلى لبنان، واستقبلناها في اللعازرية، كانت تريز في ذلك الوقت تعيش ضياعًا، ومشاكل، وصعوبات، وتبحث عن معنى لحياتها. قالت لي: “كنت أمشي في ساحة ساسين، لا أعرف أين أذهب، فرأيت جمعًا من الناس يحملون شيئًا مذهبًا ويرتّلون، فسرت معهم، وجاءوا بي إلى اللعازرية، وتعلّقت باللعازرية”، وهناك تعرّفت على حبّ يسوع، واكتشفت نفسها في قلبه.

تريز التي كانت قويّة الشخصية وصعبة الطبع أحيانًا، صارت إنسانة مليئة من حبّ يسوع، تنشر حبه لكل من حولها. في هذه البازيليك، عاشت نقلة نوعية كبيرة، لأن تريز تعرّفت على ييوع،  لأنّ يسوع كشف لها ذاته، فاعترفت أنّها بحاجة إليه وأن حياتها فارغة بدونه، فملأ حياتها وزيّن قلبها، كما كانت هي تزيّن الكنيسة. لذلك وضعنا صورتها هنا لتبقى في ذاكرتنا، واخترت لها قول يسوع: “احملوا نيري وتعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب”، لأنه سرّ قلب يسوع، هو سرّ معرفة تريز له في هذه البازيليك.

ولا تنسوا أنّنا نحن كنيسة الأيقونة العجائبية، وفي الأيقونة قلب مريم وقلب يسوع، وعندما نحمل الأيقونة يصبح قلب يسوع وقلب مريم وقلبنا قريبين من بعضهم. اليوم، تذكار تريز مؤلم لنا، لأنّنا نراها في كل احتفال، ونفتقدها في كل خدمة. لكننا نعلم أنّ حجار هذه البازيليك نصفها على الأرض وأكثر من نصفها في السماء، وأنّ كثيرين مرّوا من هنا وصاروا مع يسوع في السماء، وأنا واثق أنّ تريز من هناك تشاركنا هذا القداس وهذا الفرح. أطلب منكم إن كنتم تحبّونها، ألا تتذكّروا منها إلا إلا علاقة تريز بيسوع وتريز المملوءة من حبّ يسوع، فهذا ما سيعزّينا، وهذا ما سيملأ حياتنا لنكمل الطريق.

وفي الختام، أردد مع المزمور: “أحبّك يا رب يا قوّتي”. لنأخذ دقيقة صمت نتأمل في هذه الكلمة، ونصرخها بقلوبنا مع يسوع: “أحبك يا رب يا قوتي”.