عظة الأب رمزي جريج – عيد التجلي ٢٠٢٥

إخوتي،

إذا نظرنا إلى العيد اليوم، عيد التجلي، وإلى كلمة الرب، سواء في العهد القديم، أو في الرسالة، أو في الإنجيل، نلاحظ أن الكلمة الأكثر تكرارًا هي: “المجد” — باللغة اليونانية: “دوكسا”.

وماذا تعني كلمة “دوكسا” التي نترجمها عادةً بـ”المجد”؟ لها معنى حرفي: “النور الشديد”، “النور البهي”، “النور المبهر”.

إذا تأملنا في القراءة الأولى، نرى “قديم الأيام” كيف كان يتلألأ بالنور، وقد جاؤوا إليه بـ”ابن الإنسان”، الذي أُعطي المجد — “الدوكسا”، أُعطي ذات النور.

وفي الإنجيل نرى أن يسوع ظهر في مجده، وموسى وإيليا تَجَلّيا أيضًا في المجد، وكانا يتجادلون معه عن رحيله، الذي سيتم في أورشليم.

الله حيّ في المجد، الله يسكن في النور، حتى إن بطرس يقول: “لقد عاينّا مجده”.

والإنجيل يخبرنا أن بطرس كان من بين الثلاثة الذين شهدوا التجلي.

ورسالة بطرس هي رسالة إنسان حضر التجلي ويشهد له، والإنجيل يقول إنهم في ذلك اليوم لم يخبروا أحدًا، لأنه في نص آخر قال لهم يسوع: “لا تخبروا أحدًا حتى أتمجد”. أي قبل أن يدخل في المجد الحقيقي.

والسؤال الجوهري، إخوتي: كيف يتمجد الله؟

ما هو مجد الله؟ أن يظهر في السماء؟

هل مجد الله هو أن يصنع عجيبة؟ أن يظهر في رؤية يراه فيها الكثيرون؟

يسوع، في مجده، وحين صار على الصليب، ماذا فعل التلاميذ؟

هربوا، خافوا، واختبأوا، أليس كذلك؟

إذًا الظهورات ليست مجد الله!

والعجائب ليست مجد الله!

والخوارق لا تسبّح الله!

بماذا يتمجد الله؟

في الإنجيل أحببت نقطتين أساسيتين يجب التأمل فيهما:

أولاً: إنجيل لوقا يخبرنا أن التجلي حدث بينما كان يسوع يُصلّي.

كان يسوع في علاقة مع أبيه، يتحدث مع أبيه، واقفًا أمام “قديم الأيام”، الآب الأزلي، الذي أعطاه كل المجد.

يسوع، في تلك اللحظة، كان يعكس نور أبيه.

المجد الحقيقي، إخوتي، هو مجد حبّ الله الذي ينعكس على وجوهنا وفي قلب حياتنا.

ثانيًا: بعد أن رأوا هذا المجد، جاءت سحابة وظللتهم.

ما الذي يُخفي النور؟ عندما تشرق الشمس، متى لا نعود نرى النور؟

عندما تأتي الغيمة وتُغطيه.

فالسحاب هنا هو رمز للظلام.

وما هو هذا الظلام؟ هو رمز لموت يسوع على الصليب.

حين أظلمت الشمس، حين ظنّ الناس أن الله لم يعُد له مجد، حين نظروا إلى يسوع على الصليب وقالوا:

“أين هو أبوك؟ أليس من المفترض أنك الابن الحبيب؟ ابن الآب؟ المختار من الله؟

لماذا لا يأتي ليخلّصك؟ أين مجد الله؟ أين العجيبة؟ لماذا لا يُرسل الملائكة؟”

كانوا ينتظرون مجدًا آخر، مجدًا على طريقة العالم، وليس دوكسا الله الحقيقي.

لكن في قلب الظلام، تكلم الآب، وقال لهم:

“هذا هو ابني الحبيب، اسمعوا له.”

افتحوا آذانكم له، انظروا إليه، اتبعوه.

هو الوحيد الذي يستحق أن يُسمَع له، لأنه يُجسّد مجد الله الحقيقي.

ليس في الظهورات، ولا في العجائب، ولا في الشفاءات.

بل في الحبّ الذي تجلّى على الصليب.

يسوع أضاء من فوق الصليب، لذلك قال لتلاميذه:

“لا تخبروا أحدًا حتى أتمجّد”،

لأن مجد الله الحقيقي كان على جبل الجلجثة، على صليب يسوع،

حين أحبّنا إلى أقصى الحدود.

وأود أن أختم بكلمة أخيرة:

إخوتي، نحن مدعوون لاكتشاف المجد الحقيقي.

العالم يبحث عن المجد الآخر: مجد الخوارق، مجد السلطة، مجد الأضواء، مجد الشهرة، مجد الانتصارات، مجد العنف.

لكن المجد الحقيقي يتجلّى في الحبّ. هذا هو مجد الله، هذه هي حياة الله.

وإذا كان الآب قد قال لنا أن نسمع لابنه،

فذلك لأنه يريدنا أن نكون مثله.

إن كنّا في المجد أو في الهوان مثله على الصليب،

فَلْنَكُن في صلاة، نرفع أعيننا إلى الله أبينا،

فنرى مجده، ونعكس مجده.

فلنترجم هذا المجد فنرى حبّه، ونعكس حبّه في هذا العالم المظلم،

الذي لم يعُد فيه مكان للحبّ، بل فقط للأنانية والظلم والعنف.

فلنطلب في هذا القداس من الرب،

كما سنفعل بعد قليل في الصلاة،

أن نكون من الذين يصغون للابن الحبيب،

والذين معهم يصلّون للآب،

ويعكسون نور الله في ظلمة هذا العالم.

كثيرون يقولون إن المسيحية يجب أن تبقى في الشرق.

إخوتي، سواء في لبنان، في الشرق، في سوريا، في الغرب، في أوروبا، أو في أستراليا…

ليس المهم أن يكون هناك “مسيحيون”،

بل المهم أن تضيء المسيحية.

ما نفع المسيحية إذا كانت مطفأة مثل سائر العالم؟

ليس مهمًّا أن يكون في لبنان مسيحيون،

المهم أن تكون المسيحية في لبنان وفي غيره نورًا مشعًّا.

الويل لنا إذا لم نكن، في وسط هذا العالم المظلم، نعكس حبّ الله،

نكون بذلك نشهد أن الله لا نور له.

لكن الله هو النور، ونور حبّه قادر أن ينيرنا،

لنكون نحن أيضًا نورًا ينير الآخرين.

لنأخذ دقيقة صمت،

نتأمل في هذه الكلمة،

ونطلب هذه النعمة من الرب يسوع.