اللّه معكم، إخوتي. أتأمّل معكم اليوم في قراءات هذا الأحد، حيث نرى الرب يسوع وهو يبشّر، ويعلّم الجموع. وإذا بأحدهم يسأله: “يا معلّم، مرّ أخي أن يقاسمني الميراث”. فيجيبه يسوع: “يا رجل، من أقامني عليكم قاضياً أو مقسِّماً؟”
لكن، إن تأمّلنا في جواب يسوع، نلاحظ أنه في الحقيقة هو القاضي، أليس هو من سيأتي في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ نعم، هو القاضي. غير أنّ يسوع في هذا الموضع، أراد أن ينبّه ذاك الرجل، وينبّهنا نحن أيضاً، إلى أنّه ليس قاضياً بحسب معايير الناس: كم نملك؟ ما حجم ممتلكاتنا؟ مدى نفوذنا؟ مقدار ما معنا من مال؟ هو لا يأتي ليحكم على ممتلكاتنا المادية، بل على ما نملك في قلوبنا، في إنسانيتنا، على نوايانا، وعلى ما فعلناه لأخينا.
“أين هو أخوك؟” هكذا سأل الله قايين عند قتله لأخيه هابيل. فكلّ ما نملكه، إخوتي، هو باطل. هل لاحظتم في القراءة الأولى من سفر الجامعة؟ “باطل الأباطيل، يقول الجامعة. باطل الأباطيل، وكل شيء باطل.” كل ما نجمعه ونكنزه ونعمره في هذه الدنيا هو باطل، لأنه لا يستطيع أن يحملنا إلى معنى الحياة، ولا أن يجيب عن أسئلتنا الوجودية الكبرى: ما هو معنى الحياة؟ وما معنى الموت؟ ما هي السعادة الحقيقية؟
كل ما نملكه لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، مهما جمعنا. لذلك، اليوم، الرب يسوع يحذرنا من أمرٍ خطير: الطمع. فالمسيح لا يعارض أن نمتلك المال، ولا أن نترقى في مناصبنا أو أن ننجح، ولا أن نملك عشر سيارات! ليس هذا ما يهمّ الله. ما يهمه هو: ما هي علاقتي بما أملك؟ كيف أتصرف بما هو بين يديّ؟
في إنجيل اليوم، نرى إنسانًا أنعم الله عليه بكثرة الخيرات. في تلك السنة، زادت خيراته عن كل سنة. فبدلاً من أن يشكر الله ويقول: “هذه زيادة لا حاجة لي بها، فلأوزعها على الفقراء”، فكر أن يهدم أهراءاته ويبني أهراءات أكبر ليخزن الزيادة. لماذا؟ لأنه طمّاع.
الطمع، إخوتي، هو من يتسلّط على حياتنا. وهذا ما يحذّرنا منه الربّ اليوم. لأن الطمع يحوّل نظرنا عن الله. عندما قطع ذلك الرجل حديث يسوع، وكان يسوع يتكلم عن محبة الله، وعن خلاص الإنسان، وعن الفرح الحقيقي، تدخّل ليسأله عن ميراث. قطع يسوع عن الحديث الحقيقي، العميق، الإلهي، ليتكلّم في أمر تافه.
وهكذا، كل مرة نستسلم فيها للطمع، نكون وكأننا نقول ليسوع: “اصمت!” نضع يدنا على فمه ونقول له: “كفّ عن الحديث، لنتكلم نحن عن ما نراه مهماً”، ونتجاهل حديث يسوع الذي وحده قادر أن يشفينا ويجيب عن ألمنا.
يسوع في هذا الإنجيل سكت أمام هذا الطلب، وترك رسالته السماوية، حتى يتوجّه لهذا الإنسان ويقول له: “من أقامني عليكم قاضياً؟” وهو بذات الوقت يقول لكلّ واحد منّا: “إيّاكم والطمع!” لأنه في الطمع، نحن نُسكت صوت الله في قلوبنا.
إخوتي، أحياناً، لا يكون دافعنا الطمع الشرير، بل الخوف. في لبنان، كم مرّة نمرّ في ضيقات تدفعنا أن نركّز على الأمور المادية؟ من خوفنا على أولادنا، على صحتنا، على لقمة عيشنا؟ ولكن، من هو الذي يستطيع أن يعطينا السلام الحقيقي؟ هل المال؟ هل النفوذ؟ أم يسوع المسيح؟
لذلك، يختم الإنجيل بجملة مهمّة وصادمة: “يا غبي، في هذه الليلة تُستردّ نفسك منك!” يا من نسيت الأساس، وجمعت خيرات لا تعلم إن كنت ستستيقظ غدًا. هل معك ما تواجه به الله؟ هل عشت الحب؟ هل عشت الرحمة؟ هل انفتحت لمحبة الله؟ هل كنت بالأمس، أو الشهر الماضي، أو السنة الماضية، نفس الشخص؟ أم تغيّرت إلى الأفضل؟
هنا الميزان، هنا المعرفة الحقيقية: هل أنا اليوم إنسان أفضل؟ هذا الإنجيل لا يأتي ليخيفنا أو ييأسنا، بل ليوقظنا. كلنا ضعفاء، والله يعرف ضعفنا. حتى القديسون كانوا ضعفاء، لكنهم فهموا خطورة الطمع، وتعلّقوا بالفقر، لأنهم علموا أن الغنى الحقيقي هو العلاقة مع الله.
إذا أنعم الله عليك اليوم، لا تخف. إنما اسأل نفسك: كيف علاقتي بما أملك؟ هل أضع الله أولًا في تصرّفاتي؟ أم أضعه جانباً لأعيش بمنطق باطل؟
فلنطلب، إخوتي، النعمة من الربّ اليوم، أن نكون حكماء، أن نحكم على حياتنا وأعمالنا بنور الإنجيل. أن نسأل أسئلة جوهرية: أين أنا من الله؟ هل أنا مستعد للقاءه؟ رغم ضعفي، هل في داخلي نية صادقة أن أتشبّه به؟
أم أنّني أضع الله على جنب، وأسعى فقط إلى المال والسلطة، حتى لو كان على حساب محبتي لله، أو محبتي لأخي؟
فلنأخذ إخوتي هذه الضيقة فرصة تأمل بكلمة الحياة.
