عظة الأب شربل نادر – ٢٢ حزيران ٢٠٢٥

الله معكم، إخوتي، نتأمل سويًّا في إنجيل اليوم، حيث نرى الرب يسوع يجري آخر أحاديثه مع تلاميذه، قبل أن يُخان ويُلقى عليه القبض، ويُعذَّب ويُصلب، ثم يقوم من بين الأموات في اليوم الثالث. هذه الأحاديث الأخيرة التي قالها الرب يسوع لتلاميذه مهمة جدًا، لأنها تحوي احتكاكًا قويًّا مع الحقيقة والواقع.

يسوع يسأل تلاميذه: “من يقول الناس إنّي أنا؟”، ماذا يقولون عني؟ من أنا في نظرهم؟

بدأ التلاميذ يجيبون: منهم من يقول إنك إيليا، ومنهم من يقول إنك يوحنا قد عاد من بين الأموات… ثم يسألهم يسوع مباشرة: “وأنتم، من تقولون إنّي أنا؟”

وهنا السؤال، إخوتي، الذي وجّهه يسوع لتلاميذه هو موجه اليوم لكل واحد منا: من هو يسوع بالنسبة لي أنا؟

في لحظة نبوية، يجيب بطرس قائلًا: “أنت هو المسيح ابن الله الحي”.

جواب بطرس دقيق وقوي وصادق، يعترف أن يسوع هو المخلّص، هو الذي انتظره الشعب اليهودي طويلاً.

فيردّ عليه يسوع: “طوبى لك يا سمعان، ليس اللحم والدم هما من أعلناك هذه الحقيقة، بل الروح القدس هو من أوحى لك بها”.

ولكن، مباشرة بعد هذا الاعتراف العظيم، يقول يسوع: “إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرًا، وأن يُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم”.

لماذا هذا التغيير المفاجئ؟ لماذا بعد الاعتراف الكبير، يأتي هذا الكلام عن الألم والموت؟

لأن الإنسان، يا إخوتي، بحبّه للحياة، يعيش في كثير من الأحيان تناقضًا منطقيًّا في ذاته.

يعيش كأنه خالد، يركض وراء لحظات الفرح وكأن عليه أن يسرقها من الزمن، ويهرب من كل ما يوجعه: الحزن، الخسارة، الخيانة، الفشل…

لكن هذه الأمور هي واقع، وهي جزء من الحياة، ولا يمكننا الهروب منها.

الخطر الأكبر هو أن نعيش مسلوخين عن الواقع. والإنسان الذي ينفصل عن واقعه هو أقرب إلى المريض نفسيًّا.

كيف لي أن أعيش قويًّا واقفًا على قدمي في كل الظروف، وأنا أرفض نصف حياتي؟ أرفض الضعف، الفشل، الألم، الموت؟

لهذا، بعد اعتراف بطرس، كان لا بدّ ليسوع أن يُنزلهم من “العلو اللاهوتي” إلى أرض الواقع.

بطرس، الذي نطق بالحق، سيتحوّل لاحقًا إلى من يرفض صليب الرب، ويمنعه من الذهاب إلى أورشليم، ويستل سيفه ليدافع عنه بالجسد.

لم يفهم مشروع يسوع، لأن انفتاحه على الروح لم يكن دائمًا.

ونحن أيضًا، إخوتي، نفتح قلوبنا أحيانًا لعمل الروح، ونُلهَم بالإيمان، ولكن سرعان ما نُغلقها من جديد.

أحد أسباب هذا الإغلاق هو التناقض الذي نعيشه.

نريد الحياة، ولا نريد الاعتراف بالموت.

نريد الفرح، ونهرب من الألم.

ولكن الحقيقة أن الحياة البشرية تحمل كلا الوجهين: الفرح والألم، النجاح والفشل، الحياة والموت.

والخطر أن نُحبَس داخل وهم الدعايات، التي تروّج لحياةٍ لا مكان فيها للضعف، وكأنّنا خالدون.

دعايات تدفعنا دائمًا إلى التغيير، إلى استبدال السيارة، الهاتف، الثياب… وكأنّ في التغيير حياة أبدية.

لكن الحقيقة، دون تجميل، أننا بشر: نعيش، نفرح، نتعب، نمرض، نفشل، ونموت.

والسؤال: كيف أواجه هذه الحياة؟

الرب لا يأتي ليُخلي الحياة من هذه الأبعاد، بل يأتي ليزرع في وسطها السلام، والرجاء، والحب.

هو يريد أن يسكن في اللحظات التي أهرب منها.

وإن فتحت قلبي على هذه الحقيقة، سأبدأ أختبر قيامة يسوع في حياتي حتى وسط الخسارة والانكسار.

“من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني”.

الصليب ليس إلا هذا القبول الصادق لضعفي، لحقيقتي كإنسان قابل للفشل والخسارة.

ولكن فيّ أيضًا يسكن روح الله، وأنا مَعمد، أنا هيكل للروح القدس.

هذا الروح حيّ فيّ، وإذ أفتح كياني على عمله، أختبر القيامة حتى وسط أوقات الألم.

فلنطلب جميعًا هذه النعمة: أن نعيش حقيقتنا كأبناء لله، دون خوف، بل باتكال دائم عليه.