عظة الأب رمزي جريج – ١٩ حزيران ٢٠٢٥

إخوتي وأخواتي،

كلمة الربّ اليوم، كما قلت في بداية القدّاس، تساعدنا على فهم معنى هذا العيد الذي نحتفل به اليوم، ولكننا نعيشه كلّ يوم: سرّ الإفخارستيا، سرّ جسد الربّ ودمه.

قراءات اليوم، وتحديدًا من العهد القديم والمزمور، كانت صورة نبوية، صورة مُسبقة عن سرّ القربان، الذي لم يكتمل إلا بيسوع المسيح.

نحن نقول: إنّ إبراهيم هو أب الإيمان، هو أوّل مؤمن، أوّل من دعاه الربّ، فترك أرضه وسار معه، وأقام علاقة حيّة معه. والربّ، لأنّه دعاه، اختبر إيمانه، وأستطيع أن أقول إنّ إبراهيم برهن أن إيمانه بالله قويّ وصلب.

قال له الربّ: “أنت ستكون أبًا لشعوب لا تُعدّ”، وقال له: “نسلك سيكون كالرمل على شاطئ البحر وكنجوم السماء”. وكلّ مؤمن بالله الحي، في كلّ بقاع الأرض، يشعر أنّه من أبناء إيمان إبراهيم.

فتصوّروا أنّ إبراهيم، “أب الإيمان”، يذهب إلى كاهن غريب يُدعى “ملكي صادق” لا نعرف عنه شيئًا إلا أمرًا واحدًا: أنّه كان يقدّم للربّ خبزًا وخمرًا. كانت ذبائحه من خبز وخمر. ويُقال إنّ إبراهيم، الذي تعرّف إلى إلهٍ محبّ، إلى إلهٍ أبٍ، لا يشبه الآلهة الوثنيّة—فهو ليس إلهًا ينتظر من يُقدّم له، بل هو الذي يُعطي، يختار، يُحبّ، يدلّ، يرافق، ويحمي—رأى في هذا الكاهن صورة كاهن الإله الذي ظهر له، والذي يقدّم خبزًا وخمرًا.

ما علاقة الخبز والخمر بصورة الله الآب الصالح؟

الخبز يرمز إلى الطعام، إلى الغذاء، إلى الكفاف. وأهمّ عمل يقوم به الأب هو أن يُؤمّن الخبز لأولاده. لقد رأى إبراهيم كاهنًا يُقدّم لله ما يعطيه الله لنا. والله الآب السماوي لا يؤمّن لنا فقط الخبز الجسدي، بل يؤمّن لنا الخبز النفسي والروحي، لأنّه أب يهتمّ بنا وبحاجاتنا. إنّه الراعي الساهر على خرافه.

والنقطة الثانية: إلى ماذا يرمز الخمر؟ إلى فرح العيد، إلى المناسبات. فكلّ أب يهتمّ أيضًا بفرح أولاده، هو من يُهيّئ لهم أعراسهم، يُقيم لهم أعيادهم. الأب الحقيقي لا يوفّر لأولاده فقط الطعام كي لا يموتوا من الجوع، بل يُعطيهم حياةً جميلة، ويحاول أن يؤمّن لهم كلّ ما هو طيّب.

منذ إبراهيم، بدأ الله يُظهر لنا وجهه الحقيقي كأبٍ ساهر على أولاده، يؤمّن لهم كلّ ما هو صالح.

ثمّ جاءت الرسالة لتوضّح لنا ما هي قمّة عطاء الله للبشرية: أنّه أعطانا الخبز الحقيقي والخمر الحقيقي، جسد ودم ابنه على الصليب.

يطلب الكثيرون من الله أن يؤمّن لهم الخبز الجسدي، أن يساعدهم على إيجاد عمل، أن يعضدهم في حياتهم، مع أنّ هذا ليس الدور الأساسي لله، ولكنّه قادر عليه.

لكن السؤال الأهمّ: من يؤمّن لنا الخبز الروحي؟

من يُقيم الإنسان في وسط الخوف، في قلب الحرب والصعوبات، ويُثبّته على قدميه؟

من يُساعد الإنسان على تجاوز الجراح، على إيجاد السلام والتوازن النفسي؟

من يُعطي الإنسان الجواب على سؤال: “ما معنى وجودي؟”

إذا مرض، لا يطلب فقط من يشفيه، بل من يجيبه: لماذا مرِضت؟ ماذا تعني هذه التجربة؟

كلّ هذه الخيرات هي خبز وخمر روحيّ لا يُعطيها إلا الله، لأنّ حياتنا بدون هذا الحب المتجسّد في موت يسوع على الصليب، لا طعم لها، لا في الجيّد ولا في السيّئ، لا في الأيام الحلوة ولا في المرّة. كلّها تصبح باطلة، وغبارًا، وسرابًا، إلى أن يأتي الموت ويجرف كلّ شيء.

لكن يسوع المسيح، اليوم، يعطينا الخبز الحقيقي الذي يملأ قلوبنا.

إذا مرضتُ اليوم بالسرطان، هو يُعطيني الجواب، وأفهم لماذا مرضت.

إذا طُردت من عملي، لا يوفّر لي فقط عملًا آخر، بل يُرشدني إلى الرسالة التي يجب أن أفهمها اليوم.

الإنسان حين يُفصل من عمله، أوّل ما يُفكّر به هو أولاده، عائلته، مستقبله، الضمان. يتساءل: من يضمنني؟

والإنسان إذا لم يكن له أب يُؤمّن له الخبز والخمر، يصبح يتيمًا، ضائعًا. ومن هنا تأتي القساوة، والمشاكل، والحروب – ليس فقط الحروب بالسلاح، بل الحروب بين الرجل وامرأته، بين الأخ وأخيه، بين الجار وجاره.

من أين تأتي؟ من اليُتم الروحي، عندما ننسى أنّ لنا أبًا في السماء، وأننا ذاهبون نحو الحياة الأبدية ولسنا باقين هنا، وأنه لن يبقى لنا شيء.

حين ننسى أن هدف حياتنا هو أن نختبر هذا الحب ونعيشه، نبدأ نضيع.

واليوم، في الإنجيل، عندما أطعم يسوع خمسة آلاف شخص بخمسة أرغفة وسمكتين، وبقي اثنتا عشرة سلّة، هو يُريد أن يُخبرنا أنّ هذا الحبّ الذي يُغذّي ويُشبع ويُفيض، هو حبّ إلهيّ لا ينضب.

لأنّ من يتغذّى من هذا الحب، يُغذّي غيره بهذا الحب.

الأم، إن كانت ممتلئة من محبّة الله، وسندت حياتها عليه، واختبرت عنايته، تنقل هذا الحبّ إلى أولادها.

أمّا إذا لم تختبره، فلن تنقل إليهم شيئًا، حتى لو تحدّثت عنه.

مرّةً، أخبرني كاهن عن أمّ كانت تقول لأولادها إنّ المال ليس كلّ شيء، وأنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بالمال. فقام أحد أولادها الصغار وقال لها: “لكن البارحة كنتِ أنتِ والبابا تتشاجران بسبب المال”.

نحن نورّث أولادنا ليس فقط ما نقوله، بل ما نعيشه.

نؤثّر على بعضنا، ليس فقط الأهل على أولادهم، بل الأخ على أخيه، والجار على جاره، والصديق على صديقه. نؤثّر على بعضنا.

وبدل أن نجرّ بعضنا إلى الأنانية والخوف واليُتم الروحي، لدينا اليوم فرصة، في سرّ القربان، أن نكتشف كم يحبّنا الله، وكم هذه الأبوة مهمّة في حياتنا، كي نصبح، كما قال البابا يوحنا بولس الثاني، بيوت قربان، توزّع هذا الحبّ للآخرين.

كما فعلت مريم العذراء، حين قبلت بشارة الملاك، وحملت يسوع، ونقلته لأليصابات، وفي النهاية قدّمته لنا جميعًا.

ولهذا نُسمّيها “أول بيت قربان”.

وإذا كانت هي أوّل بيت قربان، ألا يمكن لكلّ واحد منا أن يكون اليوم بيت قربان جديدًا؟

يحفظ يسوع وينقله للآخرين؟

فلنأخذ دقيقة صمت، نتأمّل في هذه الكلمة، ونطلب من الربّ يسوع اليوم أن نكون من الذين يتغذّون من خبز الحياة، من هذا الحبّ الذي يُشبع قلب الإنسان حقًا.