النهار: موهبة القديس منصور شابة عمرها ٤٠٠ عام

الكاتب: الأب زياد الحداد- الرئيس الإقليمي للآباء اللعازريين في الشرق
النهار: موهبة القديس منصور شابة عمرها ٤٠٠ عام

كل الكائنات الحيّة لديها ذاكرة، إنما وحده الكائن البشري، يملك القدرة، بفعل إرادي وحر، لأن يعيد الذاكرة، بأن يجعل الماضي حاضراً كي يعصّرنه ويعيشه. فالذاكرة ليست آلية دماغية، بل هي فعل نفسي وتعبير عن الشخص بكلّيته.
إلى ذلك، كل مجموعة اجتماعية لديها ماض، ناتج من عمل مشترك، واع أولاً، يشكّل تاريخها. في الواقع، إن الكائن الواعي الذي ليس له ماض، يكون فَقَد في آن واحد، شعور الانتماء إلى حاضره ومرتكزاته لتوجيه مستقبله.
عائلة منصور دو بول كلها تتذكّر سنة 2017 كاريسما القديس منصور. إنها متجذّرة في التاريخ وقد صنعت تاريخها الخاص، كما كل كائن حي، تشعر بالحاجة إلى العودة إليه، في بعض المناسبات، ليس بهدف التلذّذ المرضي بأمجادها السابقة، وليس بهدف التبجح بإنجازات أغنت، بالتأكيد، الإنسانية والكنيسة، لكنها مع ذلك تبقى انجازات أسلافها، وأخيراً ليس هرباً من الصمود في وجه الحاضر والحاحات التزاماته الجديدة. انما من أجل ان تستمد منها القوة والدينامية لمتابعة مسيرتها المتطلبة على طريق المؤسس، لتتشبّع من روحانيته، ولتذهب به إلى أعمق وتنقله إلى الأجيال اللاحقة. 

كلمة كاريسما أصلها يوناني، وتعني موهبة مجانية يعطيها الله الى شخص محدد من أجل ان يحقق في الروح القدس، عمل يوحي إليه به. في العام 1617، في فولفيل وشاتيون، تلقى القديس منصور موهبته الخاصة، التي يمكننا اختصارها بما كتبه إلى قداسة البابا: "الشعب الفقير يموت من الجوع ويهلك".
القديس منصور، وبوحي من الروح القدس، استوعب بشكل متّقد الفقر المادي والروحي للشعب الفرنسي في زمنه، أحس بنفسه مدفوعاً للتحرك الفوري لمحاربة هذين الظلمين الصارخين. إنها ولادة المحبة في الرسالة، والرسالة في المحبة. هذا ما يصنع الفارق بين القديس منصور (موهبته) والمؤسسين الآخرين للمؤسسات الرهبانية أو الخيرية. وبشكل عملي أكثر: يجب العطاء للفقير، وللفقير كأولوية ليس الخبز اليومي فقط، كما يفعل كل إنساني، وليس فقط كلمة الله كما يفعل عدد كبير من المبشّرين، بل يجب إعطاؤه الإثنين معاً، الخبز والكلمة. من خلال خبرته اكتشف القديس منصور انه من الملحّ الاستجابة لحاجات الشعب المنسي، المذلول، المستغل، ضحية طموح الكبار، الكادح في مجتمع قائم على الإمتيازات، وهو إلى ذلك يعاني من الجهل الديني.
إن الاحتفال بعيد الأربعمئة عام لهذه الموهبة، يعني ان تُحَرِّكنا هذه الموهبة، وأن نعتبرها بمثابة نداء موجّه إلى كل واحد منا. يجب إذاً أن تكون عائلة القديس منصور على السمع، وأن تفتح أعين قلبها وفطنتها لسماع صراخ الفقراء، ولتقرأ علامات عصرنا، ولتفسّرها جيداً ولتتحرك بحزم نحو المستقبل.
كل نداء هو مشروع عمل، مغامرة، وجهد إلى الأمام في سبيل تحقيق رسالة محددة، وكل نداء ينتظر أيضاً ردّاً. الأمر لا يتعلق بالنسبة الى عائلة القديس منصور باستعادة أو نسخ خانع في القرن الحادي والعشرين لما قام به المؤسس في زمنه. الإخلاص هو حقيقة من نوع آخر. إذ انها تفترض الحرية والمسؤولية. لكي تظل وفية تستجيب للنداء الوارد. عائلة القديس منصور يجب أن تكون خلاّقة بحرية مبتكرة وبمسؤولية ناضجة وراشدة مع الحاضر والأجيال التالية.
ومن أجل ذلك، وبفضل قراءتها الموضوعية لتاريخها، ولذاكرة ماضيها، ستحصل على رؤية عامة للظروف والنجاحات والإخفاقات والعقبات التي مرت بها. ثم، ومن خلال جهد تمييزي جماعي ومن خلال انفتاح نقدي لعالم اليوم، تتمكن بدورها، من تثبيت ولائها في إنشاء أعمال جديدة، غارفة من كنز القديس منصور التزامات جديدة وإجابات جديدة.
كان هناك، وهناك الآن، وسوف يكون هناك دائماً فقراء بيننا. وعلاوة على ذلك، عالمنا المعولَم يُصَنّْع بكثرة وباستمرار أعداداً كبيرة من اجناس الفقر وأنواعه. الدعوة التي تلقاها القديس منصور دو بول ستستمر هي أيضا لتتعالى في آذاننا المصغية بمحبة وإحسان. والأمر يتعلق بنا، سواء بشكل فردي وكجماعة، لإيقاظ خيالنا، عواطفنا ومشاعرنا، حماستنا وشعورنا بالمسؤولية كإنسان في مواجهة استغاثة انسان آخر. وبروح من التضامن والخلق والابتكار والبراعة من أجل إيجاد إجابة مناسبة لنداء هذه الأيام: القضاء في العالم على ذاك العار على البشرية، أي على الجوع. تماماً كما فعل القديس منصور دو بول، عندما كان عليه كسر أغلال البيروقراطية، من أجل الارتجال، التنظيم والنضال حتى الإرهاق ضد هذا الوحش البشع والشرير أي ضد البؤس.
الوفاء الإبداعي يلقى مجال تحقيقه في الالتزام وقيمته في اختبار الزمن. وبما أن الطبيعة البشرية هي هشّة والإرادة، حتى على حريتها، عرضة للخطأ، فإنه ليس بإمكان عائلة القديس منصور ممارسة حريتها الإبداعية والوفاء بالتزامها، مع الفعل الاستنزافي للوقت وتآكله، إلا إذا جعلت ولاءها داخل جماعة. ما معنى الوفاء والولاء من دون شريك؟
إن الشريك المفضّل لعائلة القديس منصور يبقى ويستمر الفقير، أيقونة يسوع المسيح.

 المصدر: النهار

 

Powered by Web Agency
راية إعلانية
راية إعلانية
راية إعلانية
Close Panel

Login Form