القديس منصور دو بول مثال الشراكة

طباعةأرسل إلى صديق
الكاتب: الأب زياد الحداد اللعازري

القديس منصور دو بول مثال الشراكة - الأب زياد الحداد اللعازري

في هذا العام، عام الشراكة في عائلة القديس منصور دي بول، من المفيد لنا ان نتساءل كيف ان هذا الرجل، الذي يظهره لنا التقليد طيب القلب، محني الرأس على طفل يتيم، يحتضنه بحنان بين ذراعيه، كيف تمكن حتى آخر حياته (مات في سنه الثمانين)، من إدارة دير القديس لعازر (سان لازار) وكانت مساحته تبلغ نحو 315 هكتاراً من المزارع والحقول؟ وكيف اسس وأدار وطوّر، إلى ما بعد الحدود الفرنسية في القرن السابع عشر، جمعيتي الرسالة وبنات المحبة؟ وكيف استمر في تأسيس أخويات المحبة التي زرعها في انحاء الريف الفرنسي كما قام بتحريكها وتنشيطها؟ وكيف أدار قنصلية في تونس من اجل تحرير العبيد المسيحيين من ايدي القراصنة؟ وكيف أهتم باللقطاء، وشارك في مواجهة الإصلاح في الكنيسة من خلال التعاطي بتعيين أساقفة فرنسا، وذلك عندما كان عضواً في "مجلس الضمير" الذي وضعه حكم الوصاية؟ وكيف ثابر على ايقاد حماسة سيدات المحبة حتى يتابعن مساعداتهن المادية والمعنوية خدمة للفقراء؟ من دون ان ننسى الرسائل التي بلغ عددها 35 ألف رسالة كتبها أو أملاها على أخوين كانا يعملان معه كأمينين للسر، أضف إلى ذلك خدمات العربات الصغيرة الموازية لوسائل النقل العام في عصرنا، وكذلك القيام باستقبال مهجري الحروب ومساعدتهم.
هذه الانجازات تفوق قدرة رجل واحد، لذا سعى "مسيو فنسان" إلى البحث عن مستشارين ومساعدين، كون عبقريته لم تكمن في الاختراعات ولم يكن منظّراً، وكونه فلاحاً حذراً وحذقاً، صاحب قدمين مغروزتين في الأرض، وفي داخله فخور يقظ، كان يميل لاتخاذ القرارات بمفرده :"كان يتولى معرفة الأشياء كلها، كما يقول ِAbelly، اول كاتب لسيرة حياة القديس، حتى أصغر الأشياء كان يعطي رأيه بها" .حتى أنه بدأ بتطبيق المبدأ التالي: كل شخص يعتمد على الآخرين، ولا يمكن أن يكون ما هو عليه إلا في ومن خلال علاقته بهم.
أما المستشار والمعاون الأول للقديس منصور دو بول فكانت بالتأكيد العناية الإلهية. في الواقع، لم يكن يبدأ أي عمل دون التأكد أولاً أنه يأتي حقاً من الله وليس من ذاته، ودون أن يقوم بالتأمل فيه والصلاة على نيته.
ومن هناك، كان يحدد لنفسه فكرة محورية، هدفاً واضحاً لا يحيد عنه، في حين كان مرناً جداً في وسائل تحقيقه. وكان هذا الهدف المحوري بالنسبة إليه: النضال اليائس ضد البؤس الروحي والمادي لشعب فرنسا، وعبر التبشير بالإنجيل يتوجه إلى الانسان بكل ابعاده: الروحية والمادية والاجتماعية والأسرية والنفسية ...
من ثم أحاط نفسه بمجموعة فكرية معروفة بضميرها، وكفاءتها المهنية وتفانيها في خدمة الكنيسة. وتشمل هذه المجموعة أباه الروحي الخاص، اللاهوتي الأب Duval، ثم آخرين، سواء أكانوا اشخاصاً ينتمون إلى جمعيته أم لا، لاهوتيين وسياسيين وبرلمانيين ومحامين وأساقفة وموظفين كباراً في بلاط ملك فرنسا ... سيكون مملاً تسمية الجميع.
وفي المرحلة الثالثة، كان يختار رجالاً ونساءً ولقد كان الرائد في تعزيز دور المرأة، إذ منحها دوراً اجتماعياً بارزاً يختارهم نواياهم حسنة، وتقواهم ثابتة، من مختلف الطبقات الاجتماعية ومن كل الخلفيات، والذين من خلال المحاضرات والتواصل الشخصي كان يشاركهم شغفه بتبشير الفقراء. ويشار إلى انه كانت لديه كاريزما لكسب ثقة الآخرين، وكان تواضعه، بشكل خاص، يجذب نحوه القلوب والإرادات.
ومع بدء انطلاق العمل، كان يعمل في شراكة مع مسؤولين اختارهم لمهاراتهم وروح الإيمان فيهم، تاركاً لنفسه دور الرئيس. مع ذلك، كان يهتم بعناية بتحديد دور كل شخص وحقوقه وواجباته ومسؤولياته وترسيم حدودها بالضبط وبأكبر قدر من الوضوح، حتى ولو اضطره الأمر ليخوض في التفاصيل. فلنُعد قراءة "القوانين" المختلفة التي كان يكتبها إلى أخويات المحبة، وبنات المحبة، سواء أكن يعملن في المستشفيات أو معلمات أو زائرات للمرضى في المنازل.
ماذا كان حلّ مثلاً بـ "بنات المحبة" والنشاط المتعلق باللقطاء، وأخويات المحبة...لولا براعة Louise de Marillac وخبرتها وتفانيها؟ وما الذي كان حل برهبنة الرسالة لولا مؤسستها السيدة De Gondi، وبسيدات المحبة لولا السيدة Goussault والآباء René Alméras، Antoine Portail، Jean Dehorgny من جمعية الرسالة؟ يبدو أنه في هذه الشراكة، كما هي الحال في أي تعاون حكيم آخر يهدف إلى تحقيق المشروع، فإن الاحترام المتبادل والتفاهم والثقة المتبادلة والمرونة في الوسائل كانت المدماك الأساس.
فالقديس منصور كان يحرص على أنه، من خلال إحياء روح الإيمان باستمرار الصلاة التي من دونها لا شيء يستمر، يشعر كل شريك بأنه معني مباشرة بما تحققه المجموعة ككل، لأنه مسؤول ليس فقط عن دوره ولكن أيضاً عن كل ما يفعله الآخرون، فيشعر بالتالي باستعداده لتقديم المساعدة الفعّالة. لقد أوصى "بنات المحبة" أن لا تكتفي كلٌ منهن بعملها، بل ان يتساعدن: "أن لا يحصل شيء، قال لهن، أن لا يُعمل شيء، وأن لا يقال شيء دون أن تعرفنه جميعكن، عليكن بهذا التبادل."
أعرف أنه ليس من السهل التعاون مع أشخاص لا نعرفهم، ولكن حان الوقت في عام الشراكة والتعاون هذا، ان نبدأ أولاً بالجلوس معاً، نحن أعضاء عائلة مار منصور الكبيرة الذين لدينا الموهبة نفسها، والوحي ذاته، ولكننا ننتمي إلى مؤسسات مختلفة، فلنأخذ الوقت اللازم لنتعرف على بعضنا البعض، وان نتقبل بعضنا البعض باختلافاتنا التي تشكل غِنانا. ثم، بفعل الإيمان بالرب الذي يجمعنا، فليمنح واحدنا الآخر ثقته المتبادلة. وأخيراً، فلنقم معاً بتحقيق مشروع لصالح الفقراء، بعيداً عن أية مصلحة وفي إطار المساواة، من دون أي مسعى لهيمنة طرف على سائر الأطراف.يقول Antoine de Saint-Exupérie " إ ذا كنت تريد التحام الناس فيما بينهم، اجعلهم يبنون برجاً".
لقد فهم فريدريك أوزانام، من مدرسة القديس منصور دي بول المتمثلة بالاخت Rosalie Rendu، الربح الهائل والفعالية المضاعفة اللذين يمكن للعمل المشترك بين عمّال محبة المسيح أن يقدماه للفقراء على تنوع فقرهم. ما الشراكة إلا علاقة تقاسم ومسؤولياتٌ وعملٌ مشترك من أجل تحقيق هدف واحد محدد من المؤسس: خدمة يسوع المسيح والاقتداء به عن طريق تبشير الفقراء في شمولية ذواتهم.

 

الأب زياد الحداد اللعازري،
الرئيس الإقليمي لجمعية الرسالة للآباء اللعازريين في الشرق
المرشد العام لجمعية مار منصور دي بول في لبنان

 


 

Powered by Web Agency
راية إعلانية
Close Panel

Login Form