جريدة الجمهورية - «دماء» يوحنا بولس الثاني تأبى مغادرة لبنان

٢٠أيار٢٠١٤
طباعةأرسل إلى صديق
الكاتب: جريدة الجمهورية

لقاء روحي وطني شدد على الوحدة والعيش المشترك.(ميشال عقل)

على وقعِ بشرى خاصة يستيقظ اللبنانيّون اليوم. أبى «حبيبُ الشعب اللبناني» القدّيس يوحنا بولس الثاني أن يغادر لبنان بعد زيارة استمرّت 4 أيام، بدون أن يترك قطعةً من ذاته للّبنانيين. فقد قدّم طالب دعوة قداسته مُجسّماً، ذخيرة، عبارة عن «قطعة شاش» تحمل نقاطاً من دماء البابا، كي تتبارك منها الرعايا والكنائس ومختلف الأديار والأبرشيات. على أن تبقى محفوظةً في بازيليك الآباء اللعازاريّين.
 
زيارة «من العمر»
كاد تمثال يوحنا بولس الثاني ينطق تأوُّهاً ويبكي تأثّراً بأدعية المؤمنين الذين توافدوا إلى بازيليك الأيقونة العجائبية في الاشرفية للتبارك من الذخائر قبل أن نقلت في اليوم الأخير إلى بكركي التي إحتضنت لقاء روحيّ مسيحي- إسلامي.
 
المطران صيّاح
«إنّه لقاء مميّز، يُجسّد إرادة القدّيس يوحنا بولس الثاني على أرضنا. وبدورِنا نتعهّد الحفاظ على دور لبنان كما أراده رسالة عَيش مشترك». بهذه العبارة يختصر النائب البطريركي العام المطران بولس صيّاح أهمّية اللقاء الذي احتضنَته بكركي.
ويتوقّف عند عمق العلاقة بين اللبنانيين والقدّيس يوحنا بولس الثاني، فيقول لـ«الجمهورية»: «خلال حياته الأرضية، لطالما غمرَ اللبنانيين بعطفه وحنانه الأبوي، وخصَّهم مراراً وتكراراً بصلواته، وحمل قضيتهم إلى العالم وميَّزهم عندما عقد مجمعاً خاصّاً للبنان، وجميعُنا نعلم العبارة الشهيرة التي أطلقَها على وطننا، «لبنان أكثر من وطن إنّه رسالة»، رسالة تعايش وحوار».
ويشير صيّاح إلى الانعكاسات الإيجابية لهذه العلاقة، قائلاً: «لا شكّ في أنّ البابا مدّ أهل لبنان بالقوة، عزَّز صمودهم، وقوّى إيمانهم، فلم يكن يمضي أسبوع من دون أن يذكر كلمة خاصة ببلدهم، فيُخفّف عن كاهلهم الاثقال، وأعباء مرحلة ما بعد الحرب».
هل تعتقد أنّ القديس يوحنا بولس الثاني كان ليبقى اليوم عند رأيه بأنّ لبنان «رسالة»؟ يجيب صيّاح: «لا شكّ في أنّه لم يكن ليغيّر رأيه، فلبنان وإنْ كان يمرّ بصعوبات، يبقى رسالة بحدّ ذاتها، فطبيعته وجوهره... كلّها لم تتبدّل. على أيّ حال كلّ بلد يمرّ بصعوبات، يتعرّض لمشكلات، ولكنّ أبناءَه يضاعفون مساعيَهم وصلواتهم ليستعيد وطنُهم صحته. لبنان لم يفقد دوره إنّما بعض المسؤولين يتقاعس في تحمّل مسؤولياته كما يبدو».
وسرعان ما يزداد صيّاح حماسةً وغيرةً إيمانية لدى سؤالنا، أيّ من الزيارتين أهمّ، حضور البابا يوحنا بولس الثاني الشخصي، أو عبر ذخائره، فيجيب: «لا بدّ أن نفهم مسألة محدّدة في هذا المناسبة، ذخيرة أيّ قدّيس تعني حضوره الفعلي مع المؤمنين، ولا يغِب عن بالنا أنّ القديس في الحقيقة هو شخص مقرّب جداً من الله، وبمجرّد حضور الذخائر حلَّت النعمة». ويضيف: «وصول الذخائر إلى بلدٍ ما يمنح المؤمنين فرصة العودة إلى ذواتهم والتمسّك بإيمانهم، فهي مناسبة روحية تجدّد الإيمان وتعزّز الأواصر».
في هذا الإطار، يحرص صيّاح على إشراك «الجمهورية»، صلاته، قائلاً: «في هذه المناسبة صلاتي الشخصية ستتركّز على لبنان خصوصاً ليقوم بالدور المنوط به، وسأكثّف صلاتي في هذه الظروف وسط التطرّف والتزَمُّت الديني الملحوظين، فدينونتُنا ستكون عسيرة ما لم نتحمّل المسؤولية».
 
الأب حدّاد
يُثني الرئيس الإقليمي للأباء اللعازاريين الأب زياد حدّاد على العلاقة الصلبة والمتينة بين يوحنا بولس الثاني واللبنانيين، قائلاً: «إنّها علاقة تاريخية، لا تتزعزع. لطالما استمدّ اللبنانيون منها الرجاء لصعوباتهم، والثباتَ في إيمانهم، فكانوا على الدوام يهتفون له «jean paul 2 we love you»، حتى إنّهم لا يفوّتون أيّ فرصة لإظهار حبّهم له».
بغبطةٍ سماوية يتحدّث الأب حدّاد لـ«الجمهورية» عن النِعم والبركات التي حلّت بحضور الذخائر إلى لبنان، وتحديداً إلى بازيليك اللعازارية في الأشرفية، فيقول: «على مدى 3 أيام غصَّت الكنيسة والباحات الخارجية المحيطة بالمؤمنين الذين توافدوا من كلّ حدبٍ وصوب للتبارُك».
ويضيف: «في مختلف القداديس والزيّاحات، شهدنا حرارة إيمانية لا توصَف، فشكّل الزوّار بحضورهم علامة فارقة، فمنهم من بكى تأثّراً، وآخرون ركعوا خشوعاً، ومن لم تسَعه فرحته أطلق العنان للزغاريد والتصفيق... فرحٌ وسلام داخليّان لا يضاهيهما أيّ شعور».
لا يُنكر الأب حداد أنّ الوقت الذي أمضَته الذخائر في لبنان لم يكن كافياً، ولكن «بالتنسيق مع طالب دعوة قداسته لم نحصل إلّا على 4 أيام، ولكن لا شيء يمنع أن نطالب بزيارة جديدة للذخائر».
ويؤكّد أنّ «زيارة يوحنا بولس الثاني لا تنتهي، ولا تُحدّد بمواعيد أرضية»، موضحاً: «زيارته إلى لبنان لم تنتهِ برحيله أو حتى بعد مماته، بركة قداسته حاضرة كنفحة عطر لا تفارقنا، فهي قوتٌ يوميّ نتغذّى منه، لأنّه لطالما تمتّع بنظرةٍ إستشرافية نبَويّة، أدرك أنّ قوّة لبنان في تنوّع نسيج أبنائه وعيشِه، لذا دعاهم ليشرّعوا أبوابَهم من دون أن يخافوا».
 
الراعي
في إطار اللقاء الروحي الوطني الذي شهده الصرح البطريركي أمس، ألقى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي كلمة قال فيها: «نستشفع البابا يوحنا بولس الثاني معكم انتخابَ رئيس للجمهورية قبل نهاية هذا الاسبوع، فيكون رئيساً على مستوى آمال الشعب».
ولفتَ إلى «أنّ البابا يوحنا بولس الثاني قال: منطقة الشرق الأوسط في حاجة مُلِحّة إلى المصاحلة، والمصالحةُ الحَقّة لا تحصل على حساب الحقوق، وإذا زال لبنان فقضيّة الحرية بالذات ستُصاب بالفشل الذريع»، لافتاً إلى أنّ «الحلّ عنده يكون عبر المصالحة والحوار، فكم من مرّة كرَّر الدعوة إلى الحلول السلمية في لبنان». وأردف: «لم يتكلّم أحد مثل يوحنا بولس الثاني بجرأة وتفصيل عن لبنان، وإنّنا نرفع صلاة الشكر له، لكلّ ما فعله لأجل لبنان».
وجدّد الراعي «العهد بالحفاظ معاً على لبنان بكلّ مكوّناته، والسعي الدائم لتعزيز التعاون والاحترام بين المسيحيّين، على أساس حماية الحرّيات وحقوق الانسان، مع الإدراك أنّ لبنان قيمة ثمينة ينبغي وضعها في خدمة الأسرتين العربية والدولية».
 
كاتشيا
إعتبر السفير البابوي غابريالي كاتشيا أنّ «هذا الاحتفال ليس فقط لإحياء ذكرى تاريخيّة لشيء عشناه في الماضي إنّما هو نداء يقول لنا هل نحن مستعدّون لمتابعة الخطى الشجاعة للقديس يوحنا بولس الثاني وللمضيّ يداً في يد بروح من الإحترام والتعاون والصداقة؟ هل نحن مستعدّون للمسامحة والمصالحة لبناء مستقبل افضل؟ البارحة كنت في بريح واليوم أنا هنا بينكم واعتقد أنه نعم، نحن جاهزون ونريد العيش بهذه الطريقة ونطلب من القديس يوحنا بولس الثاني أن يرشدنا من السماء على طريق الله».
 
رسائل متعددة ودعوة واحدة
وألقى المطران قسطنطين كيال رئيس دير مارالياس شويا البطريركي كلمة بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، فأكّد أنّ لبنان هو «رسالة، رسالة محبة وتعايش، رسالة حوار وتآخٍ يسعى ابناؤه الى التعمير بدلاً من التخريب ليكون نقطة انطلاق لا انزلاق، ومصدر هناء لا شقاء، ومرتع حبّ ووئام لا مكان فيه للحقد والجشع والمكر والدهاء».
بدوره، أكّد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني «أنّ يوحنا بولس الثاني سيبقى في وجدان اللبنانيين دائماً، كما كان لبنان واللبنانيّون في عقله وقلبه ووجدانه، وخصوصاً في أشدّ أيام اللبنانيين ظلمةً خلال حروب الفتنة، وهو الذي زارَنا بعدما اطمأنّ إلى استقرار خلافاتنا، وأطلقَ رسالته الشهيرة تحت عنوان: «رجاء جديد للبنان»،
من جهته، دعا شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ نعيم حسن، الجميع إلى «حُسن اقتباس النعمة، فتكون ألسِنتهم ونواياهم وقلوبهم واحدة مُنصَبّة على الإقدام الحقيقي الفاعل على كلّ ما يعزّز الروح الميثاقية.
وفي كلمة للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان ممثلاً رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، قال: «العيش التاريخي بين المسلم والمسيحي يجب ان يتجسّد برئيس جمهورية يحفظ المسلم والمسيحي بمشروع موَدّة قبل أن يكون مشروع دولة، وبخلفية رئيس عنيد بوطنيته، لا غاية له سوى لبنان».
 

 


Powered by Web Agency
راية إعلانية
Close Panel

Login Form